الأوراق تتبعثر من جديد.

e884c161ca3499f77d7e56bb

عبد السلام حاج بكري

حاول بوتين أن يتمدد خارج مساحة المسموح ليدخل في حيّز المحظور في سورية، ويستأثر بكل الكعكة من خلال الدعوة إلى مؤتمر سوتشي على المقاس الروسي المساند للرئيس “من الطائفة المرغوبة”، لتظهر معطيات ميدانية تحمل دلالات على امتعاض أممي من التفرد الروسي.
لم يقرأ الرئيس الروسي جيدا الرسائل غير المشفّرة التي كتبها العالم بتشكيل تحالف دولي لضرب الإرهاب في سورية، التي تشير بالخط العريض إلى أن دولا أخرى لها مصالح في سورية يجب أن تُحترم، أو أن بوتين لم يأبه للرسائل مستندا إلى جدار من الرخوية الأوبامية التي منحته تفويضا واسعا أراد تحويله للمطلق.
التفّت روسيا على الطرق التي رسمتها الأمم المتحدة للحل في سوريا، فأوعزت لصبيّيها في دمشق بإفشال الجنيفات المتلاحقة، وابتكرت بديلا مزج بين السياسي والعسكري تمثل بلقاءات الأستانة، التي حققت فيها الكثير من المكاسب، واستطاعت فيها تركيع العسكر المعارضين فقدموا لها كل ما طلبت منهم، وتجاوبوا مع طروحاتها أكثر من شريكها الأسد.
مخرجات الأستانة التي كان من نتائجها تسليم كثير من المناطق للنظام وعقد هدن ومصالحات متعددة، أظهرت الأسد منتصرا، لم تحظ برد فعل دولي غاضب، هذا ما أغرى الروس بمحاولة قضم كل الكعكة ورمي الفتات للآخرين، فدعوا النظام وكثيرا من المجرمين الذين شاركوه في قتل السوريين من عسكر وقادة ميليشيات ما يسمى “الدفاع الوطني” إضافة إلى المعارضة المصنّعة على مقاس الأسد وتقبل به رئيسا أبديّا ، دعوهم إلى مؤتمر سوتشي، لتقرّ فيه روسيا ذلك السلام الذي تريد، والذي يبدو أن ما بدر منه حتى اللحظة لم يرضِ اللاعبين الدوليين والإقليميين على الساحة السورية، وشعر الأحرار السوريون بأنهم قد يخسرون كل شيء فيه.
حملات إعلامية ودعوات كثيرة لمقاطعة سوتشي قام بها سوريون وشاركت فيها منظمات وأحزاب وتيارات من تلك التي لم تدخل مؤسسات المعارضة المسيّرة بالإيعاز، أسفرت عن توسيع حلقة الرافضين للمؤتمر داخليا وربما خارجيا.
إنها الرسالة الثانية التي ترفض روسيا الأخذ بعين الاعتبار بمدلولاتها، فحاولت اقتياد الرافضين إلى سوتشي عنوة من خلال إلحاق هزيمة عسكرية كبيرة في الميدان تسحب من أيديهم خيار الرفض، فأوعزت لجيش النظام المتهالك والميلشيات المرهقة بمهاجمة أرياف حماة الشرقي وإدلب وحلب الجنوبي، وحركت طيرانها بشكل جنوني لإنجاز الانتصار سريعا.
تريد روسيا عقد سوتشي بأي طريقة، وأسرع وقت، سوتشي الذي يحقق الانتصار الروسي في سوريا، فهي على أبواب استحقاقين مهمين يقتضيان ذلك، فبوتين يريد أن تجري الانتخابات الرئاسية (محسومة النتيجة) بأجواء احتفالية، كما أنه يسعى لإقامة كأس العالم دون تشويش أو مضايقة داخلية أو خارجية، فهذا الانتصار كفيل بإسكات معارضته الداخلية، ويرغم الشعب الروسي على تحمل المزيد من المعاناة الاقتصادية، ويمنعه من مساءلة الرئيس عن فاتورة التدخل العسكري في سورية.
دخل الغرب على خط الرفض غير المعلن للمشروع الروسي في سوتشي لأنه رأى فيه هزيمة له أيضا، فبعثر الأوراق الداخلية في سورية، من خلال توفير الوسيلة والأجواء المناسبة لضرب الروس في قواعدهم، بطائرات “درونز” أصابت مقتلا في العنجهية الروسية بسبب التطنيش على مصالحه، ويصعب تصديق أن ضرب قاعدة روسيا في حميميم تم دون موافقة أو إيعاز غربيين، حتى لو كان نظام الأسد أو إيران (لخلاف ما مع روسيا) هما من نفّذ الضربة التي أربكت بوتين بشكل كبير.
حاولت “جبهة النصرة” مساعدة روسيا في إنجاح “سوتشي” من خلال الانسحاب من مساحات شاسعة تسيطر عليها لصالح الأسد دون معارك أو خسائر، لكن اتفاق مصالح السوريين والغرب المرحلي أفشل محاولة “جبهة النصرة”، فاستعاد الثوار السيطرة على بعض المواقع وأوقفوا انتصارات الأسد وروسيا الوهمية في أرياف حماة وإدلب وحلب.
إن دخول الطائرات المسيّرة، مجهولة المصدر حتى الآن، وإسقاط الثوار أكثر من هدف جوي لروسيا والنظام في الآونة الأخيرة، والانتصارات النسبية التي يحققونها، تؤكد تغيّر معطيات اللعبة، وربما يكون ذلك محاولة غريبة لكبح جماح الطمع الروسية بالحصة الأكبر من سورية، ليس أكثر.
“زمان الوصل”

شاهد أيضاً

خسائر جديدة لميليشيا أسد الطائفية في درعا.. وطائرات النظام تصعّد و “حزب الله” يعدم 23 عنصراً للنظام

تتواصل الاشتباكات بين الفصائل المقاتلة ومليشيا أسد الطائفية شرقي بلدة المسيكة إحدى قرى منطقة اللجاة …