التعليم بالمناطق التي استعادها النظام.. غسل لعقول الطلاب لتمجيد الأسد وحلفائه

بعد استعادة نظام بشار الأسد السيطرة على المناطق التي كانت بحوزة فصائل المعارضة السورية، ركز على ضرورة غسل عقول أطفال المدارس هناك، أكثر من اهتمامه في إعادة إعمار مرافق التعليم المُدمرة جراء القصف والعمليات العسكرية.

ومنذ نهاية العام 2017، وخلال العام 2018 استعاد النظام بدعم من حليفتيه روسيا وإيران، السيطرة على مناطق استراتيجية مثل الغوطة الشرقية في ريف دمشق، ودرعا جنوب سوريا، وريف حمص الشمالي.

وأدخل النظام أطفال المناطق التي استعادها في صراع أفكار، وبدأ بما يعتبره “إعادة تأهيل لعقولهم”، ورسم مشهد جديد للمآسي التي عايشوها من خلال تبرئة نفسه، وإلقاء اللوم على عائلات الأطفال التي حملت السلاح في وجه النظام دفاعاً عن نفسها.

والتعليم هو الطريقة الرئيسية لبناء وتوجيه تفكير الأطفال خصوصاً في المرحلة المبكرة من العمر، وللأفكار التي يتلقاها الأطفال تأثير على الأجيال الناشئة وطريقة نظرتها للأنظمة الحاكمة في بلدها، وفي حالة كسوريا يريد النظام إعادة رسم مشهد جديد للحقبة السوداء التي رسمها عن تاريخ سوريا الحديث، جراء ما فعله طيلة منذ العام 2011 حتى الآن.

العودة لفكر البعث

وقبل بدء الثورة في سوريا، لم تكن تخلو مدرسة من زرع أفكار حزب “البعث” في عقول طلابها، لكن النظام وفي المناطق التي أعاد السيطرة عليها زاد من جهوده في هذا السياق، منطلقاً في ذلك من أنه يتعامل مع أطفال عائلاتهم من المعارضة، ولذلك رأى أنه من الضروري “غسل عقولهم” لكي لا يُفكروا إلا بالولاء لبشار الأسد.

وانعكست جهود النظام هذه من خلال إجبار الطلاب الأطفال على تمجيد “حزب البعث”، وبدء الدوام المدرسي بالغناء للأسد، عبر وضع الطلاب في طوابير خلال الصباح، وترديدهم لعبارة ”الله، سوريا، بشار وبس”، بحسب ما أظهرته مقاطع فيديو تداولها سوريون على مواقع التواصل.

وفي فيديو آخر انتشر على مواقع التواصل، ظهر طلاب تراوحت أعمارهم بين السابعة إلى الثمانية أعوام في مدرسة بحمص، يتدربون في الرياضة الصباحية على أنغام أغنية لتمجيد الأسد، فضلاً عن أساليب عسكرية يجبر الأساتذة الطلاب الأطفال على أدائها خلال “تحية العلم”.

ويشار إلى أن حزب “البعث” يدرس إرجاع التربية العسكرية للمدارس (الفُتوة) بشكل رسمي، وفقاً لما قاله الأمين القُطري المساعد لحزب البعث العربي الإشتراكي هلال الهلال، نهاية العام 2017.(link is external)

إطاعة السلطة

وفي تصريح لـ”السورية نت”، قال المحامي السوري غزوان قرنفل، إن ما يمارسه النظام في المجال التعليمي هو شيء طبيعي، ويعكس الأسس التي يقوم عليها، والتي تجعل من الفرد مجرد مطيع للسلطة، مضيفاً أن “أسلوب النظام في الإستبداد لن يتغير، لأن أي تغيير قد يؤدي لإسقاطه”.

وأشار قرنفل إلى أنه بعد سيطرة النظام على مناطق المعارضة، “فمن الممكن أن يصمت الطالب عن مبادئه التي عايشها، أو يستبدل حريته لكي يحصل على الأمان الشخصي والوقاية من أي ضرر”.

ورأى أيضاً أن الأطفال في المناطق التي دخلها النظام، من الممكن أن يتشبعوا بالأفكار التي يبثها باستمرار حزب “البعث” في التعليم، وقال إن “النظام يحاول أن يزرع في عقولهم أن آباءهم أو عائلاتهم تنتمي لمنظمات إرهابية، مما تسبب بأن يكونوا ضحية للإرهاب”.

من جانبه، قال المصور السابق لوكالة الأنباء الفرنسية في الغوطة الشرقية، عامر الموهباني، في تصريح لـ”السورية نت”، إن “النظام يمارس خطته المعتادة التي قام بها منذ أربعين عاماً، التي تهدف لقمع واستبداد عقول البشر”.

وأشار الموهباني الذي هُجر من مدينته، إلى أن ما يفعله النظام واضح وصريح، فهو “يريد نشر مبادئ حزبه التي يتكلم عنها باستمرار ولم يطبقها إلى الآن، حيث أن حملات نشر أفكار حزب البعث التي بدأ بها منذ الثمانينات دمرت أجيالاً بالكامل”.

وأضاف أن “النظام عاد إلى بث سمومه في التعليم بالمناطق التي استعاد السيطرة عليها، ويريد النظام القول إن أي مواطن يخالف قيمه وقيم الحزب هو من الإرهابيين أو التابعين للفكر الداعشي. ويبذل جهده الكامل في إعادة رسم عقول الجيل القادم، بما يناسبه لمدة 50 سنة قادمة”.

تغييرات بالعملية التعليمية

واتخذ النظام في العام 2017 خطوة كبيرة في مساعيه للتأثير على عقول الأطفال السوريين، عندما أجرى أكبر عملية تعديل على المناهج شملت 50 كتاباً، وهذه التعديلات دخلت إلى المدارس في المناطق التي استعادها النظام.

وأبرز التعديلات أدخلها النظام على كتاب التاريخ، وفيه فرض النظام وجهة نظره لما حدث في سوريا، وأعاد رسم صورة جديدة عن دول اتخذت موقفاً مناهضاً منه، مثل تركيا، التي وصفها في الكتب بأنها عدو، واعتبر “الفتوحات العثمانية” بمثابة “احتلال”، كما فعل الأمر نفسه رسم صورة سيئة عن دول أخرى اتخذت موقفاً معادياً له.

وبالإضافة إلى ذلك، فسح النظام المجال أمام حليفتيه روسيا وإيران للتدخل في العملية التعليمية بسوريا، وغسل عقول الأطفال بما يتناسب مع أهداف البلدين.

وأدخل النظام إلى المدارس اللغة الروسية، بدءاً من الصف السابع، كما أنشأ بدعم من موسكو، أول مدرسة روسية في الشرق الأوسط بدمشق في شهر سبتمبر/ الماضي. وستعتمد المدرسة على البرامج التعليمية الروسية المترجمة إلى اللغة العربية.

وسيكون لروسيا دور كبير في تغذية الطلاب السوريين بأفكارها، وهو ما أشارت إليه ريما القادري وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل في حكومة النظام، عندما قالت إنه “تم الاتفاق على إيجاد طريقة عمل في مجال مكافحة الإرهاب من خلال تثقيف المجتمع الأهلي”.

كما عقد بشار الأسد اتفاقية تتضمن إرسال طلاب سوريين إلى روسيا للتعليم العسكري في المدارس الروسية مجاناً، حيث وصل ثمانية تلاميذ سوريين إلى مدينة سان بطرسبورغ في روسيا في شهر أغسطس/ آب 2018 .

النفوذ الإيراني

وفي نفس السياق، استحوذت إيران أيضاً على جانب من العملية التعليمية في سوريا بدعم من الأسد نفسه، الذي أصدر في العام 2014 قراراً بافتتاح مدرسة الرسول اﻷعظم الشرعية، في قرية رأس العين التابعة لمدينة جبلة بمحافظة اللاذقية. والتي تتبع في أسلوب تدريسها تعاليم المذهب الشيعي الجعفري.

وفي تعليقه على التدخلين الإيراني والروسي في التعليم بسوريا، قال المحامي قرنفل لـ”السورية نت”، إن ما تفعله روسيا في التعليم يبقى أقل خطورة مما تفعله إيران، “وذلك لأن روسيا تستهدف شريحة معينة من الأطفال والشباب الذين تكرس فيهم قيماً وأفكاراً معينة، وهدفها المحافظة على نخبة عسكرية كاملة الولاء والطاعة للرئيس الروسي، بذلك سوف تحافظ على البنية الأمنية الموجودة في سوريا، التي يهمها استمرارها سواء بوجود الأسد أو بدونه”.

أما بالنسبة لإيران، أضاف قرنفل، إن “تدخلها أكثر خطراً، لأنه يتغلغل في المجتمع السوري، ويخلط ما بين الدين والعقيدة، وينشر الفكر الشيعي بوسائل مختلفة منها الأسلوب الترهيبي أو الترغيبي. فهناك محفزات اقتصادية تقدمها للعائلات لتشجيعها للإنتقال للمذهب الشيعي”.

وفي السياق نفسه، قال الناشط الموهباني لـ”السورية نت”، إن “الشعب السوري لديه توجهات مختلفة وانتقادات سلبية على المجتمع الروسي، من حيث العادات والمستوى الأخلاقي والشيوعية المسيطرة على مجتمعه. ولكن سياسية التكريس والتكرار التي يمارسها النظام أو حليفه الروسي على العقل الباطن للطفل لها تأثير على المدى الطويل”.

ورأى أن دخول الثقافات الأخرى على سوريا هو أمر مدروس من قبل النظام وله خطورة على المجتمع السوري، “حيث يتم تطوير الأمر من لغة في المناهج إلى بعثات دراسية وخلط بين العادات والمجتمعات”.

ووفقاً لذلك، توقع الموهباني أن “يواجه الأطفال صراعاً تجاه ما يعيشونه في الواقع، وما يتلقوه في المدارس من انحياز للنظام السوري وحزبه، فالمعارضة السورية إلى الآن لم تتمكن من إيجاد البدائل عن مناهج النظام لتقديمها للطلاب”.

نسف الماضي

وإحدى الأهداف الرئيسية التي يسعى النظام إليها من التأثير على عقول الأطفال، إعادتهم إلى “بيت الطاعة”، ومنع أي محاولة منهم عندما يكبرون لتكرار ما فعله آبائهم منذ العام 2011.

ورأى الموهباني أن النظام رغم ما يفعله إلا أنه لن ينجح في جعل الجيل الحالي من الأطفال أن يتغاضى عما حصل من تدمير وقتل في مناطقهم.

وقال إن “الثورة غيّرت مفاهيم ومبادئ عند الكثير من السوريين حتى عند المؤيدين للنظام، فكفاح سبع سنوات لتغيير الوضع في سوريا لن يعود كما في السابق. والأطفال الذين شهدوا على قتل أشخاص من عائلاتهم لن يستطيع النظام أن يمسح هذه الصورة من عقولهم. فهم تربوا أيتاماً وشهدوا على من شرد عائلاتهم وقتل أهلهم، من غير الممكن أن يؤثر عليهم النظام بحيث أن ينسوا أفكارا عايشهوها لمدة طويلة”.

لكن للمحامي قرنفل رأي مختلف، إذ قال إنه من خلال التجربة الشخصية التي عايشها في أحداث القمع التي مارسها النظام في ثمانينات القرن الماضي في سوريا ولا سيما محافظة حماه، فإن “الأسلوب القمعي للنظام لم يتغير منذ تلك الفترة”.

وشبه سياسة النظام بإسلوب المافيات والعصابات التي يهمها تركيع المجتمع وخضوعه للسلطة، وقال إن النظام “مستعد لأن يبيد السوريين لكي لا يخرجوا عن بيت الطاعة وذلك ما حصل في الثورة”.

وأضاف: “بإمكاننا القول إن خطة النظام تنجح في زرع قيمه وأفكاره سواء في المجال التعليمي، أو على المستوى العسكري، ومستوى إدارة الأزمة والصراع التي تفوق فيها على المعارضة”، بحسب قوله.

شاهد أيضاً

النظام يمنع سكان مخيم اليرموك من العودة لمنازلهم

  منعت قوات الأمن التابعة لنظام بشار الأسد، أهالي مخيم اليرموك من العودة إلى منازلهم، …