الجامع الأموي يشهد على تاريخ دمشق وحاضرها

7

يعدّ جامع بني أمية الكبير من روائع الفن المعماري الإسلامي، يقع في قلب المدينة القديمة، حيث يحده جنوباً حي البزورية، وغرباً سوق الحميدية، وشرقاً مقهى النوفرة، ومن الزاوية الشمالية الغربية المدرسة العزيزية وضريح صلاح الدين الأيوبي.

الجامع أشهر آثار دمشق على الإطلاق، وهو الأثر الوحيد المتكامل والباقي من آثار بني أمية في دمشق. أمر ببنائه سادس الخلفاء الأمويين الوليد بن عبد الملك عام 705 للميلاد، واستغرق عشر سنوات لإنجازه وزخرف زخرفة متناهية الدقة والإتقان، فقد بني بطريقة هندسية بديعة، وذكر ابن كثير أن الوليد أنفق على بناء الجامع خراج الشام سنتين.

المكان حيث أقيم الجامع كان سوقاً في فترة ما قبل سيطرة الرومان على دمشق، ولقد بُني فوق معبد للإله حدد الآرامي الذي كان إلهاً للطقس، وكان يعبد في دمشق في الألفية الأولى قبل الميلاد، وعقب سيطرة الرومان على دمشق تحول المكان معبداً رومانياً، أنشئ في القرن الأول الميلادي وسمي معبد جوبيتر الدمشقي؛ وما تزال بقايا هذا المعبد ماثلة حتى الآن.

وفي عهد الإمبراطور الروماني تيودوس الأول تحول المعبد كنيسة سميت كنيسة القديس يوحنا المعمدان الموجود ضريحه داخل الجامع؛ وهو معروف أيضاً باسم النبي يحيى، وعند دخول المسلمين دمشق صار نصف المعبد مسجداً ونصفه كنيسة.

المخطط والهندسة
اعتمد الوليد في بناء الجامع على التخطيط الأولي في بناء المساجد في الإسلام، فقام بتقسيمه إلى بيت الصلاة وإلى فناء مفتوح، وأنشأ حرم المسجد مسقوفاً مع القبة (قبة النسر)، وأمر بتوسعة الباحات القديمة للمعبد القديم، وتجميلها بالنقوش والفسيفساء والمنمنمات والرخام والزخارف؛ وتحديداً الزخارف النباتية، وهذه الزخارف هي التي ترشدك إلى اليد الأموية التي بني بها، على الرغم من أن كثيراً من العمال الفرس والهنود شاركوا في بنائه.

نُفِّذ في المسجد جميع أنواع الزخارف؛ وهي القيشاني والعجمي والمشقف والمعشق والخيط العربي والتيجان الكورنثية، وأهم هذه الزخارف لوحات الفسيفساء المشغولة بالفضة والذهب والعاج والصدف، وتعد لوحة بردى أهم لوحة فيه، وسميت بذلك لأن مجرى المياه الذي رسم على طول هذه اللوحة هو النهر الذي يجتاز دمشق؛ أي نهر بردى، ويوجد في جدار القبلة شريط من أوله إلى آخره من الفسيفساء يسمى شريط الكرمة، وهذه الزخارف قريبة من زخارف قبة الصخرة في بيت المقدس، وأرضيته مفروشة من المرمر بشكل هندسي زخرفي، وجدرانه مغطاة بلوحات من الرخام إلى ارتفاع مترين.

الأبواب والأروقة
يمتلك الجامع أربعة أبواب، ثلاثة منها مفتوحة على صحن الجامع؛ وهي الشرقي (باب جردون أو جيرون) ينتهي به الرواق الشرقي، والغربي باب البرادة (باب بريد) أو باب السنجق أو الصنجق، باب البرادة التسمية القديمة للبوابة الرئيسية المنفذة من صحن الجامع إلى حرمه، أما السنجق فهي الأحدث، وتنسب إلى الراية التي تحمل مع المحمل عند أداء فريضة الحج؛ وعلى جدار هذا الرواق (الغربي) تتوضع أطول وأقدم فسيفساء أموية أصيلة في العالم، والباب الشمالي (باب الكلاسة أو باب العمارة): يتوسط الرواق الشمالي، والباب الرابع هو القبلي الذي ينفتح على حرم الجامع.

القباب
يحتوي المسجد باحة كبيرة وفيها ثلاثة مبان صغيرة:
قبة المال: أنشأها الفضل بن صالح بن علي العباسي لما كان أميراً على دمشق سنة 171 للهجرة أيام الخليفة العباسي المهدي؛ وهي قبة مثمنة تزينها ثمانية أعمدة.

القبة الشرقية (قبة زين العابدين): بنيت أيام المهدي سنة 160 للهجرة، سميت بهذا الاسم لوقوعها في الناحية الشرقية القريبة من مشهد الحسن والحسين، وتسمى الآن قبة الساعات إذ كانت فيها ساعات للمسجد.

وقبة الوضوء، وهناك قبة النسر تعلو الحرم ويبلغ ارتفاعها 36 متراً.

المآذن
يطل على صحن الجامع ثلاث مآذن هي:
المئذنة الشمالية (مئذنة العروس؛ أقدم مئذنة في الإسلام): تقع في منتصف الجدار الشمالي للمسجد، قاعدتها أموية أصيلة، وكان يوضع عليها عدة مصابيح توقد ليلاً، ولقد كانت في المناسبات تتلألأ بالأنوار والفوانيس، فتظهر وكأنها عروس فغلب عليها هذا الاسم.

المئذنة الشرقية (مئذنة عيسى): يقال إنها التي سينزل عليها المسيح في آخر الزمان؛ وهذا سبب تسميتها، وأورد ابن كثير هذا السبب، ويُروى أنها احترقت سنة 740 للميلاد، وجُدِّدت من أموال المسيحيين لأنهم اتهموا بحرقها.

المئذنة الغربية (مئذنة قايتباي): تقع في الزاوية الجنوبية الغربية، وهي منسوبة إلى سلطان المماليك قايتباي؛ إذ جددت في عهده.

الحرائق والترميمات
الشكل الحالي للجامع الأموي يختلف عن شكله الذي بني عليه، فقد تعرض لكثير من الحرائق والزلازل، كان لها دور في تغيير معالمه بشكل كبير.

وأهمها كان حريق عام 1069 للميلاد، قضى على الكثير من زخارفه ونقوشه البديعة التي كانت باقية منذ عهد الوليد، وبقي على تلك الحال إلى أن انتهى ترميمه عام 1072 للميلاد.

وضربه العديد من الزلازل والحرائق، وأهمل لفترة من الزمن، إلى أن جاء الملك الظاهر وقام بتنظيف الجامع، وأمر بغسل رخامه وفرشه، وزُيِّن بالذهب ولوحات الفسيفساء والنقوش والزخارف، واحترق مرة أخرى على يد تيمور لنك عام 1400 للميلاد عندما اجتاح دمشق.

وفي العهد القريب وقع حريق هائل في سقفه أيضاً قضى على الكثير من زخارفه، وكان ذلك عام 1893 للميلاد، والرواية تقول إنه بينما كان أحد العمال يقوم بتصليحات اعتيادية في سقف الجامع، أُغري بمنظر دمشق من هذا الارتفاع، فعنَّ على باله أن يدخن النرجيلة، لكن خلال ذلك وقعت قطعة فحم منها على السقف فدبت النيران فيه، واستمر الحريق ساعتين ونصف الساعة، واحترقت الجدران والأبواب، ولم يسلم إلا المشهد الغربي، وهذا الحريق عكس سابقيه بقي مجاله ضمن الجامع؛ فقد كانت الحرائق السابقة تمتد إلى البيوت والأسواق المجاورة.

في نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات بدأت عملية ترميم شاملة، شملت مئذنة قايتباي والواجهة الغربية والجدار الشمالي، كما أعيد تبليط المدخل الغربي، وتجديد الأرضيات وتبديل القواعد الحجرية التالفة للأعمدة، وتمت معالجة الخشبيات التالفة، وإعادة وتركيب قبة داخل صحن الجامع، إضافة لإنشاء شبكة إطفاء خاصة بالمسجد، وانتهت أعمال الترميم والإصلاح سنة 1994.

عظمة هذا الجامع كانت الدافع للرواة والرحالة الذين زاروه إلى أن يصفوه بأنه أفخم المساجد وأجملها عمارة؛ إذ يقول عنه ياقوت في معجم البلدان “لو أن الإنسان عاش ألف سنة، وجعل يتردد كل يوم من أيامه إلى الجامع الأموي، لكان يرى في اليوم ما لا يراه في أمسه”؛ فهو تحفة معمارية عدت نسيج وحدها على مر العصور.

نقلا عن العربي الجديد .

شاهد أيضاً

واشنطن: ملتزمون بإخراج إيران وأعوانها من سوريا

أعلنت وزارة الخارجية الأميركية، اليوم الجمعة، عن التزامها بإخراج إيران والميليشيات الموالية لها بشكل كامل من سوريا. …