الحنجرة التي أقلقت الرئيس فحوّلها إلى أسطورة إبراهيم القاشوش..

القاشوش.. صوت ليل النواعير في ثورة العاصي

67

ورد الدرويش- مجلة رؤية سورية

انطلقت الاحتجاجات في سوريا ضد النظام الأسدي العائلي الشمولي المستبد لتعلن ظهور حالات جديدة ومختلفة بعيدة عن النضال السياسي أو المسلّح لإسقاط ذلك النظام الذي سعى منذ بداية الثورة ضده إلى تحويل تلك الاحتجاجات عن سيرها السلمي ومن ثم عسكرتها، ليوهم العالم بأن القائمين عليها عبارة عن مرتزقة عسكريين وقتّالي قَتلى وإرهابيين وغير ذلك. وهذا ما جعل عناصر أمنه وفروعه يلاحقون رموزها السلمية الواعية المثقفة التي نادت بالوحدة الوطنية والحرية، وإسقاط النظام بالوسائل السلمية المتاحة، ومن ثم اعتقال تلك الرموز وإبعادها أو القضاء عليها وتصفيتها ابتداءً بغياث مطر، ذلك الشاب من مدينة داريا على تخوم دمشق العاصمة، التي لا تزال صامدة رغم الجوع والحصار والقصف اليومي.. ذلك الشاب الذي دفع من مدخراته قيمة ألف وردة حمراء ليوزعها على متظاهري يوم الجمعة.. ذلك الشهيد الذي كان ينتظر مولوده الأول ليشهد عصر الحرية السورية الجديد، ليأتي بِكرهُ، غياث الصغير، ويسمع من والدته قصة اختطاف غياث الكبير وتصفيته في أقبية النظام بسبب وروده الحمراء..

إسقاط النظام بالوسائل السلمية المتاحة، بالنكتة والمشاهد المضحكة التي مثلها الحمصيون وسجلوها على كاميرات الأجهزة المحمولة. أو بالأغنية، ومن منّا لا يعرف أو يحفظ عن ظهر قلب أغنية سميح شقير «يا حيف» التي انطلقت مع الحراك الأول لأهالي درعا من المسجد العمري حيث كان الرصاص بانتظارهم..

ثم تبعتها الأغاني الفلكلورية المستقاة من تاريخ كل مدينة على الجغرافيا السورية، فكانت «جنة يا وطنّا» و»اللي بيقتل شعبه خاين»، وكانت «الموليّا» الفراتية الممزوجة بعبارات الثورة، والأهازيج الحورانية المترافقة مع الدبكات، ثم جاءت أغاني الثورة السورية ذات اللحن الواحد والنسق الواحد والكلمة الواحدة التي طغت على الفلوكلور الشعبي وأعطت طابعاً متميزاً جديداً ومختلفاً استساغته أطياف ومناطق الشعب السوري قاطبة، إنها أغاني إبراهيم القاشوش..

مع تفجّرالحراك السلمي في مدينة حماة، والذي جاء متأخراً نوعاً ما عن ركب باقي المدن السورية لأسباب محفورة في ذاكرة المدينة بشكل خاص والمدن السورية عموماً وهي مذابح 82 التي ارتكبها نظام حافظ الأسد بحق أبنائها، الشيء الذي دفعها في البدء إلى التزام الهدوء خوفاً من تكرار سيناريو المذبحة على يد الأسد الابن، ثم ما لبثت أن انطلقت في داخلها مظاهرات الاحتجاج لتسجّل أعلى نسبة عددية بين كل المحافظات السورية وتتخطى أعداد المتظاهرين في بعض الأيام كيوم جمعة «إرحل» السبعمئة ألف حموي يقودهم في وسط ساحة «الساعة» صوت الشهيد إبراهيم القاشوش من خلال أغانٍ قام بتأليفها وتلحينها وإلقائها على مسامعهم، ولتتناقلها جميع محطات التلفزة «المغرضة» حسب تعبير إعلام النظام الرسمي، من خلال نقلها عبر أجهزة المحمول والشبكة العنكبوتية. فكانت أولى تلك الأغنيات: يالله إرحل يا بشّار، ويا وطنا ويا غالي، ويا محلاها الحرية، وسوريا بدها حرية، وبس اسمعوني، ويا عيني ويا روحي والسوري شايف حالو..

كل تلك الأغاني مجتمعة كانت تبدأ بالأغنية المشهورة:

«يالله إرحل يا بشار..

يا بشار مانك منّا.. خود رجالك وارحل عنّا

هاي سوريّة رجعت إلنا.. ويالله إرحل يا بشار

يا بشار ويا كذاب.. تضرب أنت وهالخطاب.. الحريّة صارت عالباب.. ويلا ارحل يا بشار»

أغنية رددتها حناجر مئات آلاف المتظاهرين في حماة ثم الملايين في سوريا

……  

وعشرات المقاطع التي اشتملت على عبارات تسخر من الرئيس السوري ونظامه رغم إدراك خطورة الكلمة والصوت في ظل تسلّط ذلك الأخير.

والحال، فقد انتشرت كلمات ولحن تلك الأغنية في المدن والبلدات والقرى السورية كانتشار النار في الهشيم لتضاف إليها كلمات وعبارات تناسب لهجات أهالي المحافظات الشرقية والجنوبية، ثم لتغدو شعاراً للمظاهرات والاعتصامات في ساحاتها، هذا بالإضافة إلى أغنيته التي أصبحت شعاراً من شعارات الثورة السورية:

سورية بدها حرية..

بدنا نشيلو لبشار بهمتنا القوية

وسورية بدها… حرية (يردد المتظاهرون بصوت واحد)

وبلا ماهر وبلا بشار وهالعصابة الهمجية

وسورية بدها… حرية

…..

ولم يقتصر القاشوش على الأغنية المجرّدة فحسب، بل تعداها إلى فن المونولوج والأغنية التمثيلية،

وليس أجمل من مسرحيته الغنائية التي أدّى من خلالها دور بشار الأسد وهو يخاطب الشعب السوري (المتظاهرين) خائفاً، مرتبكاً، واعداً السوريين بإصلاحات جديدة راجياً منهم العودة إلى بيوتهم:

بشار: بس اسمعوني

الشعب: كذّاب

بشار: والله لأحرر الجولان،وبكرا بحرر فلسطين، بس اسمعوني

الشعب: كذاب..

بشار: والله لأجوّز الشباب، كل واحد شقة وعروس.. بس اسمعوني

الشعب: كذاب

بشار: هاي الطوارئ شلتها، وقانون أحسن شكّلتو.. بس اسمعوني

الشعب: كذاب.

فكانت كل تلك الأغاني مجتمعة الدافع الرئيس لاجتياح مدينة غناء النواعير من قبل جيش وآليات النظام وليس «المسلحين» أو «الإرهابيين» على حد وصف إعلام الأخير، معيد إلى ذاكرة السوريين ذكرى مجزرة الثمانينات السيئة الصيت، ما جعل أهل المدينة يؤثرون الصمت والسكينة بعد أن تجرّعوا ذاكرتهم المؤلمة وشهدوا ما ألمّ بجارتهم حمص من قتل وتدمير.

حنجرة القاشوش في العاصي

حين سُمعت وانتشرت أغاني القاشوش لم يكن يعلم السوريون آنذاك من هو ذلك الشاب الذي ألهب جماهير المتظاهرين في ساحة المدينة، والبعض كان يظن بأنها من تأليف فرقة فنيّة كاملة، خاصة وأن الأغاني اختلفت فيها الإيقاعات رغم أنها كانت تؤدى بشكل منتظم وانسيابي بشكل متسلسل ومترافق مع تصفيق المتظاهرين وأدائهم (الكورسي).

لم يكونوا يعلمون من هذا الذي أثار جنون النظام وتعدّى على رموزه ومقدساته وسخر منها بالكلمة والأغنية الظريفة أكثر مما أثارته انتهاكات إسرائيل المتكررة على سيادته و(وحدة أراضيه) إلى أن جاءت صبيحة يوم الأحد 3-7-2011..

كان القاشوش، بلبل الثورة السورية، كما يحلو للثائرين السوريين تسميته، عاملاً بسيطاً في مركز إطفائية المدينة، وحين كان متوجهاً إلى عمله تم اختطافه من قبل قوات الأمن التي وحّدت جهودها كاملة للاستدلال على صاحب ذلك الصوت, ثم ليُذبح بطريقة همجية. حيث شقت حنجرته بالسكين من الوريد إلى الوريد, ومزّق جسده بالرصاص المتفجر، ثم رُميت جثته في نهر العاصي ليكتشفها الحمويون في نفس ذلك اليوم ويقوموا بتصويرها ونشر الخبر على وسائل إعلام الثورة السورية وإرساله إلى قنوات التلفزة المختلفة. وحينها فقط تعرّف السوريون على اسم ووجه مؤلف ومؤدي أغاني الثورة السورية، إبراهيم القاشوش.

القاشوش لم يحمل السلاح ولم ينضم إلى «العصابات المسلحة» لكن صوته أزعج النظام السوري، كان رمزاً للثورة وصدح بصوته في ليالي مدينة حماة مطالباً بالحرية والكرامة.

فقرر النظام كتمه إلى الأبد، كان القاشوش مبشّراً للمتظاهرين وغنى لهم «صحينا بكّير على صوت النواعير». لكنه لم يصح وإن غسلت دماؤه مياه العاصي، ولم يصدح صوته مجدداً بكلمة حرية، كأنما تركها وديعة في نفوس ملايين ممن أحبّوا الحرية وأحبوه فيها في سوريا.

صحيح أن جسده قد اختفى، لكن صوته تجلى في الناس. أغانيه أخذت تتردد في معظم مدن وعواصم العالم، وأسطورته أخذت تتمدد في أصقاع الوجود السوري حتى حيكت حوله القصص والحكايات وتعددت الروايات حول صحة استشهاده، وصار الناس يوماً بعد يوم يتناقلون أخباراً عن عدم مقتل القاشوش الأصلي وإنما شبيه له أو لشخص يحمل اسمه، ولعل هذا ما يجعلنا نطلق على القاشوش تسمية (أسطورة الحنجرة السورية)

شاهد أيضاً

حصاد ستيفان دي ميستورا: الفشل الأممي في الملف السوري

العرب – خطار أبودياب لم يُصلح موفد منظمة الأمم المتحدة إلى سوريا ستيفان دي ميستورا …