الدّفاع عن الفلسفة في زمن السوشيال ميديا… الفيلسوف الأخير “أحمد برقاوي”: رسالة للشعب السوري..!

“إلى المعتدين على نبل الفلسفة: لا يمكن الانتماء إلى الفلسفة والانتماء إلى قتلة الإنسان والعقل والضمير والحياة في آن واحد. لا يمكن الانتماء إلى الفلسفة والانتماء إلى الشر معاً.” (أحمد نسيم برقاوي /فيسبوك/ 18.يوليو.2018).
في الوقت الذي يحاول فيه الكثيرون الظهور بمظهر الفيلسوف العارف، في زمن السوشيال ميديا والمنابر المجانية، يكثر استعمال الجمل والمقولات الفلسفية، من قبل غير الفلاسفة، لإعطاء سمة الحكمة على ما يقول القائل، فيكثر المتفلسفون/ ويقلّ العارفون، بتكرار لمقولات غير مُتبناة المعنى من قبل الناقل، هو ترديد ببغائي. هكذا حتى بدا الفِكرُ الفلسفي للكثيرين كلاماً أجوف، حتى صارت الفلسفة ككثيرٍ من العلوم العميقة، أداة سطحية، ما أفقد صداها لدى الناس هيبته ومغزاه. حتى صارت مقولة إن فلانا “يتفلسف” شتيمة تعادلها اليوم وصفة “مثّقف” في السخرية الشعبية، فهل ستظل الفلسفة مادة سوداء مجهولة للعامّة من الناس، وسيظّل الفيلسوف منعزلا بعلمه عن الجدل اللامجدي، أم أنّ على الفلاسفة أن يتقدّموا بشروح مبسطة أكثر، بلغةٍ سلسلة يفهمها الجميع، ليقنعوا الناس بأن الفلسفة هي أمّ العلوم، ووجودها في الحياة اليومية ضرورة تعادل الطبّ والهندسة والعمارة، على غرار ما فعل الفيزيائيون الكبار عندما يقدمون عروضاً أشبه بالترفيهية لإيصال هذه المادة الجافّة لكل الناس.
في حوارنا مع الدكتور “أحمد نسيم برقاوي”، المفكّر والكاتب، ورئيس قسم الفلسفة في جامعة دمشق سابقاً، الفلسطيني الدمشقيّ، الفيسلوف الذي يخاطب الجميع أمام الجميع، ويكسر جدار قدسيّة الفلاسفة، ويفتح الباب للأسئلة، لنشر المعرفة، صاحب المواقف الوطنية والسياسيّة الجادّة في نظر الشعوب، والحكمة وسداد الرأي، في نظر طلابه وقرّائه ومحبيه، والذين يرونه على أنه “الفيلسوف الأخير”.
علّق الدكتور البرقاوي على أهمية الفلسفة في حياة المجتمعات بكل أنواعها، محاولاً طرح الفكرة بطريقة منهجيّة تؤسس لفهم الفلسفة عن طريق ادخالها مكانها الصحيح في حياة الأفراد، قائلا عن ارتباط الفلسفة بالتاريخ والمنطق:
“الفلسفة تعلّمنا كيف نقرأ التاريخ، والظاهرة في تاريخيّتِها، وما المنهج التاريخي إلا البحث عن العوامل الفاعلة الموضوعية والذاتية وترابطها التي خلقت هذه الظاهرة أو ذاك. الفلسفة تكشف عن بنية الظواهر ووظيفة كل عنصر فاعل في البنية، وتجعل من المنهج البنيوي وسيلة لفهم نشأة البنى الاجتماعية والسياسية والأخلاقية وتحولاتها وموتها، وهكذا. والفلسفة لا تنفصل عن المنطق الذي يجعل من التفكير عقلياً، إنه، أي المنطق، عاصم من ارتكاب الأخطاء، ولولا التفكير المنطقي لما كان هناك تفاهم بين الناس.”
وأضاف: “لهذا يجب أن تكون الفلسفة حاضرة في المرحلة الثانوية على الأقل بوصفها مقررات دراسية، إذ لا يجوز أن يتخرج الطالب من المدرسة الثانوية دون وعي منطقي ومعرفي وأخلاقي وجمالي. فالمرحلة الثانوية هي التي يشهد فيها التلاميذ تطوراً جسدياً فجائياً يصاحبه تطور عاطفي وعقلي ملحوظ. حيث يواجه التلميذ أسئلة جديدة في الحياة وهو في مرحلة التفتح على العالم، ويجب أن يتعلم كيف يجيب عن هذه الأسئلة، فضلاً عن ذلك يجب ألا يترك التلميذ نهباً للوعي العامي وما شابه ذلك.
فتزويد التلميذ بفن التفكير يحرره من الخضوع إلى خطابات تضر بالوعي وهو يخوض معركة الحياة. إن التلميذ وقد انتقل إلى المرحلة الجامعية، وما شابه ذلك سيعيش حياة معشرية جديدة، ويرسم مستقبله، وكلما كان وعيه بالحياة متقدماً كلما كان أقدر على اتخاذ الخيارات الأسلم والأدق.
وهذا يعني أن الجامعات بدورها يجب ألا تغيب عنها الفلسفة لا من حيث وجود الأقسام فيها ولا من حيث متطلبات الدراسة. إن تدريس الفلسفة هو الذي يخلق المعرفة الفلسفية والثقافة الفلسفية التي تجعل النص الفلسفي بوظائفه التي ذكرت مفهوماً لدى الناس.”
وأوضح البرقاوي صلة الفلسفة بوصفها علما، بالأخلاق والقيم والجمال، مفنداً الحديث عن تحريمها:
“الفلسفة تبحث في القيم والأخلاق وتطرح كيفية الوصول إلى ضمير أخلاقي يحفظ حياة الإنسان الروحية والمادية. والفلسفة تنمي الفهم الجمالي والحس الفني والذوق الأدبي، وكل ذلك يسهم في سمو الإنسان ورقيه.
وليس هناك أي ارتباط بين الفلسفة والنيل من عقائد الناس وإيمانهم أبداً، كما يشيع أعداؤها. إن الفلسفة بهذه الوظيفة المعرفية والمنطقية والأخلاقية والجمالية يجب أن تكون جزءاً لا يتجزأ من عملية تكوين الفرد، بوصفها كما قلنا فن التفكير.”
*الدكتاتوريّة الفكريّة
ترفّع القسم الأعظم من المثقفين العرب، عن قرّائهم من الناس العاديين، بات سمَة هذه الطبقة، خصوصاً على وسائل التواصل الاجتماعي. في حالةٍ من الوجود وعدمه، يُفضّل هؤلاء خلق هالة من الغموض والضبابية حولهم. يَرمون بعض الكلام أو المقالات المعدلة لغويّاً، على صفحاتهم دون الاهتمام بآراء القرّاء، من تحسينٍ أو نَقد، بل إن تفضّلوا بالردّ، كان توبيخاً لأحد متابعيهم الذي تطاول وقال رأياً منافياً لرأيه، ما يسوقنا لفكرة الدكتاتورية الفكريّة، لم لا وقد صار لكلّ واحد من هؤلاء، جيشه ومريدوه الذوّادون عنه، أو كما يسمّيهم البعض الآخر “المثقّف وشبيحته” محاولاً عنونة الحالة.
يقول البرقاوي، “كتبت مقالة طويلة بعنوان (الكتابة والناس) وقلت فيما قلته:
“وعندما نخاطب الناس، يحدد مضمون الخطاب، الناس، ذكرهم أم لم يذكرهم، يتوجه لهم بكل اختلافاتهم وتناقضاتهم وصراعاتهم وتعدد أهوائهم، وفي اللحظة التي يعلن فيها الكاتب عن خطابه فإنه يدخل في علاقة ملتبسة مع الناس.
صحيحٌ أن الكاتب يَكتب لكي يُقرأ، ولكن ليس من حقّه أن يتكدّر من رأي القارئ أو نقده أو موقفه. وعندما أتحدث عن القارئ فأنا لا أتحدث عن الرعاعي الذي لا يملك إلّا الشتيمة والقدح والذم.
كما إن النفس البشريّة تُسعَد بالمديح عموماً. لكن الكاتب الذي يهجس بمشكلات الواقع والناس، فكما لا يكترث بأحكام القدح والذم، لا تُغره أبداً أحكام المدح والتقريظ”.
*هبوط اعلامي حاد..!
بُعَيد الانفجار الإعلامي العربي الكبير في السنوات الأخيرة، سيَما أن الثورات العربية احتاجت إلى إعلام مستقل عن إعلام الأنظمة والحكومات، وتجلّت بعض المؤسسات الحديثة أو الموجود مسبقاً، بنوع من التغطيات الحقيقية، والنبرة الصادقة، إلى حدّ ما، كما تزامن مع هذا، هبوط وسائل إعلام ومنصاتٍ كثيرة، إلى ما أدنى مما كانت عليه وسائل إعلام الأنظمة العسكرتارية الدكتاتورية، ما فرض حالة من الاضطراب اليقيني لدى الجمهور المتلقي، بالخلط بين ما هو حقيقي وما هو كاذب، وما هو حيادي وما هو مسيّس، تزامن مع اضطرابات سياسيّة عربية ظهرت عن طريق الإعلام، وبسببه أحياناً (أزمة الخليج مثالاً) فخلق اصطفافات إعلامية فكرية جديدة، للإعلام السوري والعربي، لما في الإعلام والسياسة والعسكرة من تداخل في الوضع السوري.
يرى البرقاوي أننا أمام ثلاث حالاتٍ، تحدد لنا وسيلة اختراق الإعلام للوعي وتشكيله:
الحالة الأولى: حالة الدفاع عن الوعي السائد، انطلاقًا من الدفاع عن الواقع السائد، وهذا نمطٌ غالبٌ في إعلام السلطة المُهيمنة وفي هذا الوضع نجد الانفصال شبه المطلق بين اللغة والحياة، بين الخطاب والواقع، ومع تكرار هذا الانفصال، تنفك العلاقة بين المتلقي والخطاب، بحيث لا يكون الخطاب الإعلامي قادرًا على تشكيل الوعي.
وبالتالي، يصير هذا الطلاق بين الخطاب الإعلامي والمتلقي، مَعلماً من معالم انهيار سلطة الخطاب الإعلامي وسلطة إنتاج هذه السلطة الإعلامية. ولهذا كلما كانت السلطة متطابقة أو شبه متطابقة مع المجتمع كان خطابها الإعلامي أقدر على تشكيل الوعي، والعكس صحيح أيضاً.
أما الحالة الثانية: فهي حالة إنتاج الخطاب الذي يعزز وعيًا مَاضويّاً، بوصفه وعيًا مستقبليًا، فلقد وفّرت وسائل الإعلام الحديثة للفئات المَاضويّة طريقة لبعث العقل الجمعي النائم، والذي يساعد على إيقاظه، رفض الواقع، وهزيمة خطاب السلطة الإعلامية. يتكئ إعلامٌ كهذا على مخزون ثقافي موروث من المدرسة والمجتمع، فيجد أرضية صالحة لخطابٍ إعلامي، يُعيد تشكيل الوعي على النحو المَاضَوي.
فإذا كان خَطيب الجمعة يتحدث أمام عددٍ محدودٍ من المصلين، ويقدم لهم خطاباً أخلاقياً وعظياً معززاً بوقائع وقصص من السلف الصالح، فإن الداعية الآن، يتحدث أمام مئات الملايين من البشر، ويُطل عليهم أحياناً من شاشته الصغيرة بخطاب سياسي عنفي.
أما الحالة الثالثة: فهي تلك التي تَنطلق من إعلام يَعكس روح العصر، ويَسعى إلى تشكيل الوعي بما يتطابق مع روح العصر. وروح العَصرهذه، وهي تخترق جميع حدود العالم، إنما هي، حَضارة آخر الزمان الراهن، بكل مُنجزاتها العلميّة والقيَميّة والأخلاقيّة والاقتصاديّة والأدبيّة وأنماط الحياة.”
*”السياسة بلا مجتمع سياسي، كَذب ودَجل”
من تعقيدات الوضع السوري، غياب القيادة، بمعناها العميق، الفكرة القائدة، الأيديولوجيا القائدة، الشخص القائد صاحب الفكر والأيديولوجية. وكان نتيجة لهذا الغياب، أن صار الأمر إلى مجالس وائتلافات ومنصّات، تشكيلات تحاول أخذ دور القائد، دون الضلوع بمفهوم القيادة الحقيقي. ما أحال الأمر لمتوالية من الفشل السياسي والعسكري، في الوصول لأي تفاهم ينقذ أرواح السوريين، دون أن يقتلعهم قتلاً وتهجيراً. هل يقع جزء من مسؤولية غياب القائد، على الفلاسفة بوصفهم حكماء، لعدم تقدّمهم لقيادة الثورات والمفاوضات؟!
“إذا كُنت تَقصد بأن أحترف السيّاسة، فهذا ما لم يَخطر على بالي أبداً. فاحتراف السياسة في عالمٍ بلا مجتمع سياسي انخراط في الدّجل والأكاذيب والمصالح المُضمرة. العمل السياسي بوصفه احترافاً لا يكون ناجعاً إلّا في دولة الحرية.
لكني، وأنا أفكر بمشكلات العالم وبسوريا وبفلسطين وعموم بلاد العرب فإني أفكر سياسياً من زاوية رؤيةٍ فلسفية – أخلاقية. وهذا يعني بأن موضوعية فهمي للحركة السياسية بكل عَجرِها وبَجرِها، بكل أهدافها وغاياتها، بكل مَكرها وزيفها إنما يَصدر عن انحياز مطلق لقضية الحرية.”
*”السوشيال ميديا تزيد من حضور المثقف والمبدع”
البرقاوي لديه صفحة على “فيسبوك”، كأيّ مستخدم عادي، يكتب فيها الشذرات، وينشر المقالات، بل وبتعبير آخر، “يُفسبك” و”يُغرّد” على وسائل التواصل الاجتماعي، ونحن كمتابعين، راقبنا عن قرب، ردّ الفعل الجَمعي على ما يشاركُه، ولا يحتاج الأمر لبحث طويل، ليَعرف المتابع أنه يجذب الناس ويعرّفهم من جديد بالفلسفة والفيسلوف، إما عن طريق مقالات أو تدوينات قصيرة، وهذا دور مُميّز وهام جداً لم يسبق البرقاوي إليه فيسلوف عربي، وربما يدفع الفيلسوف لاستخدام السوشيال ميديا، هو شعوره (بالعزلة)، أو رغبه بنشر الفكرة، فكرة الفلسفة، ولربما أيضاً كانت الفلسفة رسالة..؟
“قالت دائرة الفيسبوك بأن عدد المشتركين في وسيلة التواصل هذه قد بلغ مليارين من الذين يجيدون القراءة والكتابة. وهذا يعني أن نِسبة كبيرة من أفراد المُجتمع صارت قادرة على التواصل اليَوميّ من جهة والتّعبير عن أفكارها وآرائِها ولا شعورِها وعَدائها وأحقادِها وثَأرها وعشقها وحبّها وكُرهها وذكرياتها ورغباتها وحَياتها اليوميّة ومواقفها السياسيّة والأخلاقيّة وجِديّتها وسُخريتها وآلامها وفَرَحها وسَخافاتها وجَهلها وشجَاعتها وجُبنها وحَيائها ووقاحتِها ومَعرفتها وثقافَتها وصِدقها وكذبها واهتماماتها وشهوتها في الحضور بشكلٍ مختصر ومكتوب.
وإذا عَرفنا أن عدد المشاركين في العالم العربي بلغ ما بلغ، فقد صارت لدينا مادة مهمة ومرجع غني لدراسة عينات كثيرة من حيث وعيها واهتماماتها ونفسياتها.
ولقد زاد الفيسبوك من حضور المثقف المبدع: الشاعر والروائي والمفكر والفيلسوف والنحات والرسام وكاتب المقال، المتحقق بالأصل، بأن عمّم على نحو واسع عدد المتلقين لنصوصهم وإبداعاتهم، عبر نشرها على صفحة الفيسبوك أو نشر روابط مؤلفاتهم وأعمالهم.
والملاحظ أن شهوة الحضور تبرز بشكل قوي عند الفيسبوكيين العرب من المثقفين العاديين، لا سيما عند أولئك الذين ليس لديهم إلا هذه الوسيلة للحضور، وعند جمهور من المثقفين الذين لم تسعفهم مواهبهم البسيطة في الحضور عبر الكتاب والمجلات والصحف وشاشات التلفزيونات التي كانت وحدها وسائل حضور الكاتب الكلاسيكية. وعدد هؤلاء في عالم العرب كثير جداً.
أما سؤالك عمّا يغريني بـ”فيسبوك” فأقول: هو وسيلة لنشر كتاباتي وآرائي وأفكاري، والتي أنشرها قبلاً في الكُتب والمَجلات والصّحف، والاطّلاع على إبداعات الآخرين والتواصل مع أصدقائي وطلابي وقرّائي والإطلالة على أنماط الوعي أحياناً بدافع المعرفة. فهناك عشرات الآلاف من المتابعين وآلاف الأصدقاء وهؤلاء بدورهم ينقلون معرفتي بكل الأشكال، بمعزل عن مواقفهم مما أكتب. فضلاً عن أني أتعرض لغضب مثقفي الوسخ التاريخي ورعاع الطاغية. وهذا يؤكد أهمية التواصل مع الناس عبر الفيسبوك.”
*الشعر ريشة الفيلسوف ..
قالها شيخُ فلاسفةِ العقلِ ومضى:
“أنا أفكر..إذاً ..أنا أكونُ”.
فذهبتْ مثلاً عند الحمقى ،
يرددها العقلُ المأسورُ .
لماذا أنتَ صامتٌ
يا ابنَ الحياةِ ..؟!
أَخرجْ قلبكَ من صدركِ،
وأعرضهُ على كفيكِ
يقطرُ عشقاً
وخاطبهم:
أنا عاشقٌ إذا أنا أكون.
طالما كتب الفلاسفة الشعر، والأمثلة كثيرة، ربّما يعتبر الشعر من أدوات الفيلسوف، الموهوب أصلا بحرفة الكتابة، ولا شك أنه، الشّعر، موهبة لا علاقة لها بتطويع الكلام الفلسفي، فليس كل فيسلوف شاعرا، ولا كل شاعر فيلسوف، وإنما البرقاوي جمع معناً للفلسفة واللغة، وهمّاً للمعرفة والحس، يُظهره كشاعر..!
“أنا ذات مهمومة، مهمومة بالمعنى الوجودي، أعبّر عن همّي فلسفياً منطقياً وعن همي حدسيات شعرياً. الكتابة هماً هي حضور الذات بهمومها في الشعر. ولكنّ الشعر هماً يعني أن الهم الكلي صار هماً ذاتياً أو الهم الذاتي وقد صار هماً كلياً، ولكنه الهم الذي قالت اللغة عنه بأنه ما يؤرّق الذات ويحزنها والذي قالت الفلسفة عنه انشغال الذات بذاتها المهمومة التي تفيض قلقاً وجوديا. فالشعر هماً عندي ليس هو الشعر شغلاً.
وهنا تبرز معاييري الجمالية باللغة الشّعرية التي تضفي عليها الموسيقى الداخلية للنص الشعري قوة التأثير، أو تمارس تأثيرها خارج الموسيقى.
من سمات الحدس الفلسفي الشعري عندي أنه فكرة طليقة تَرقص في زِيّ جمالي وليست بحاجة إلى منطق أرسطو، ولهذا هي حدس. وهناك مستويات من حضور الحدس الفلسفي في الشعر، فإمّا أن يأتي في صورة عفو الخاطر أو يكون مقصوداً لذاته بوصفه مقصود الشعر. ولقد دللت التجربة الشعرية أن مرحلة ما بعد النضج تكون أكثر امتلاءً بالحدس الفلسفي، وتصل حد وقوف الشعر عليها. وعندي أن ليس هناك –في الشعر– انفصال بين الحدس الجمالي والحدس الفلسفي، والقرابة بين الشعر والفلسفة قرابة من الصعب فصلها.”
“وأكتب على أعلى صفحات ِالقمم:
أنا الشاعرُ.. اذاً.. أنا أكون.
أصرخْ أمامَ الوثنِ المقدّس ِ
من حجر ٍ كانَ أم
من كلام ِ وورق،
وأصرخْ: باللاءات 
تردد في أنحاءِ الوجودِ،
حتى يفهم الآخرون
متى الكائنُ -يا ابنَ الحياة-
حقاً .. يكون.”
“يظهر الحدس الفلسفي – الشعري في الغالب عبر أجوبة عن أسئلة مُضمرة، بحيث تبدو الفلسفة شذرة فكريّة تقول قولاً فصلاً، قولاً يأخذ شكل ما تسميه العرب الحكمة.
غير أن ذلك لا يمنع أن يكون النص عندي شعرياً حدساً فلسفياً بالأصل. وآية ذلك أني أعيش التجربة الشعريّة بوصفها كينونة، نمط وجود، أعيش الأرق الفلسفي عبر القلق الوجودي. فالموت والمصيروالحزن والفرح والبحث عن المعنى وكل أسئلة الوجود الكبرى تحضرعندي في التجربة الشعرية، فتخلق الحدس الفلسفي الشعري بعد أن أصل إلى مرحلة النظرة إلى العالم والموقف من الوجود والعدم الذاتية.
غير أن توسّل الشعر وسيلة للتعبير الفلسفي الحدسي فقط سيضعف الجمالية الشعرية وتصبح التفاتَة الشاعر إلى المعنى فقط. ولهذا أحاول أن أوفق بين الأمرين، ما أمكنني ذلك.”
*رسالة
أيا أبناء الشعب السوري العظيم:
-لا تستسلموا للقاتل والجماعة الحاكمة، لا تقتلوا التمرد في داخلكم ضد الأوباش. فهذا الوسخ التاريخي الحاكم إلى زوال بالضرورة.
-لا تعولوا على الإسلاموية السياسية العنيفة فهي داء خطير، يدمر الحياة والمجتمع.
-التاريخ إلى جانبكم فلا تستعجلوا قطف الثمار، لا نموّ يأتي في غير أوانه.
-لا تراهنوا على الخارج، ولا ترهنوا إرادتكم لأحد.
-أسسوا مجتمعاتكم المدنية والسياسية حين يكون بمقدوركم ذلك، احتلوا المجتمع بالإبداع والأدب والفن والفكر والجمعيات والنقابات.
-احتفظوا بآلامكم النبيلة على فقدان أجمل شباب سوريا، أبناء المستقبل، الذين ماتوا تعذيباً في سجون الجلادين. وابقوه جرحاً مفتوحاً حتى تحققوا حلم الحرية. وتزينوا الساحات بنصب مرمرية مسطور فيها أسماء بناتكم وأبنائكم الراحلات والراحلين.
*المدافع عن الفلسفة
لا يخفى عن متابع لأحمد برقاوي على السوشيال ميديا، أنه لا يفوّت فرصة يدافع فيها عن الفلسفة، كلما تجرّأ عليها أحد. وبهذا يجد الكثيرون في البرقاوي الفيلسوف الأخير الذي يقف في وجه الميوعة الفكرية الرائجة على الميديا، بعد أن اختلط على الناس حقيقة المثقف، وصدق قضيّته، في زمن تباع فيه المواقف، كما صدمنا قبلاً بالكثير من الأسماء الكبيرة. وبهذا يكون البرقاوي فارس الفلاسفة، في عصر المنابر المجانيّة.

شاهد أيضاً

“خراب حمص” يتصدر مسابقة صور “ناشيونال جيوغرافيك”

تصدرت صور أحياء مدينة حمص المدمرة قائمة أفضل الصور الملتقطة خلال العام 2018، في مجلة …