السوري رفعت عطفة: المترجم التام غير موجود

ساهم المترجم السوري رفعت عطفة في نقل أكثر من 100 عمل ادبي من اللغة الإسبانية إلى العربية، مثل رواية «دون كيخوتة» للإسباني ثرفانتيس التي تعد أول رواية حديثة، حسب أغلب الباحثين والنقاد، كذلك ترجم السيرة الأخيرة التي كتبها غارسيا ماركيز «عشت لأروي».

التقته «القدس العربي» في مدريد للحديث عن مسيرته الأدبية في الترجمة والشعر.. فكان الحوار التالي..

■ كيف بدأت قصتك مع الترجمة من الاسبانية الى العربية؟
□ عندما ذهبتُ إلى إسبانيا في نهاية عام 1968، كانت إسبانيا بالنسبة إليّ لغزاً جميلاً، لم تكن هناك قواميس عربية إسبانية ولا إسبانية عربية. كما لم نكن نعرف من الإسبانية ولا حتى صباح الخير. كنّا نعتمد على القواميس الإسبانية الإنكليزية والإسبانية الفرنسية والإنكليزية العربية والفرنسية العربية. ذهبتُ لأدرس الأدب الإسباني، وأنا لا أكاد أعرف عن هذا الأدب شيئاً. قبل أن أذهب إلى إسبانيا كنتُ أدرس التاريخ في جامعة دمشق. لم تكن هناك جامعة في سورية غيرها. في إسبانيا بدأتُ أقارن بين مناهجنا ومناهجهم. في إسبانيا كان التخصّص يبدأ في الصف الثالث. السنتان الأوليان عامتان على كلّ أقسام كلية الآداب. يُدرس فيها التاريخ وتاريخ الفن واللاتينية والعربية واليونانية والفلسفة، إضافة إلى اللغة والآداب. في جامعاتنا لم يوجد شيء من هذا. وجدتُ صعوبة كبيرة في البداية، ورغم ذلك بدأت أقرأ لكتاب من مختلف العصور، بصعوبة لكن بهمّة. لفت انتباهي شعراء مثل لوركا ونيرودا وميغل هِرناندِثْ وآخرين كثيرين. ولفت انتباهي رامون دِل بالييه إنكلان. وكان أوّل ما ترجمته ثلاثة دواوين لنيرودا: «حجارة السماء»، «الوردة المفصولة»، «كتاب التساؤلات»، تلته ثلاث مسرحيات للكاتب الإسباني المذكور الصعب والإشكالي رامون ديل بالييه- إنكلان. كان ذلك في أواخر السبعينيات من القرن المنصرم وهكذا بدأت أترجم مختارات لمعظم الشعراء الإسبان والأمريكيين المعاصرين وأنشرها في ملحق الثورة الثقافي.

وجود النحو في لغتنا العربية، يمنحها مطواعية فريدة فأنت تستطيع أن تقدم الفعل على الفاعل والمفعول به على الفعل والفاعلِ والفاعلَ على الفعل والمفعول به.

■ اعدت ترجمة «دون كيخوته دلا مانشا»، بعد أن قام كل من عبد الرحمن بدوي وسليمان العطار بترجمتها. لماذا؟
□ لم أطلع على ترجمة سليمان العطّار، ولم أكن أعرف بوجودها، لكنّني قرأت ترجمة عبد الرحمن بدوي فوجدت أنّه متأثر في ترجمته بلغة الفلسفة الناشفة، ولذلك الفكاهة فيها تكاد تكون غير موجودة، أو هكذا بدا لي، فقرّرت ترجمة الكتاب، كلّ الاحترام للكاتبين عبد الرحمن بدوي وسليمان العطار.
■ تقول إن الترجمة أنقذت أعمالا من الضياع، كيف تفسر ذلك؟
□ نعم، أنقذت الترجمات العربية، الكثير من كتب الثقافة الفارسية من الاندثار، مثل، «كليلة ودمنة» وبعض كتب أفلاطون وأرسطو. فترجمتها إلى العربية.
■ ذكرت إن الأفق الثقافية مغلقة في العالم العربي، ولا تسمح أحيانا للإنسان بأن ينطلق مع الخيال أو يطلق هواجس الإبداع عنده، هل ينطبق ذلك على الترجمة؟
□ نعم أجواؤنا مغلقة ومتزمّتة لأنّنا لم نتمكن من إقامة نظم ديمقراطية وعلمانية تحترم الإنسان وتجعله من أولوياتها. المكان الوحيد في العالم الذي يخضع فيه الكتاب للرقابة من ناحية السياسة والدين والجنس هو العالم العربي والإسلامي، فأي شيخ يستطيع أن يفتي بقتلك أو تجريمك في أحسن الحالات، فقط لأنّك تقول بفصل الدين عن الدولة، أو تشكّك بحديث ترى أنّ مضمونه يتناقض مع المبادئ الإنسانية أو المنطق العقلاني. بكلمة واحدة تجريم العقل النقدي. طبعاً مع الترجمة يحدث الشيء ذاته. يكفي أن تطلع على الكتب التي تُمنع من المشاركة في معارض الكتاب في العواصم العربية كلّها.
■ ترجمت لعدد من شعراء الاسبانية: مثل فيديريكو غارثيّا لوركا ومناوِل أغيرِّ، وبابلو نيرودا وغبرييلا مسترال وآخرين. من ثم بدأت بترجمة المسرح ، حدثنا عن هذه التجربة؟
□ تجربتي مع رامون دِل بالييه- إنكلان جاءت على خلفية أنّ مدرس مادة المسرح في النصف الأول من القرن العشرين قال إنّ ترجمته إلى اللغات الأوروبية كالإنكليزية والفرنسية والألمانية لاقت صعوبة كبيرة، وفيها مطبات كثيرة. قلت له يومها أنا سأترجمه إلى العربية، فنظر إليّ نظرة تشكيك. لكنّني بالفعل ترجمت له خمسة أعمال هي «الكوميديا البربرية»، «وجه الفضّة»، «نشيد الذئاب»، «النسر»، «أضواء بوهيمية وكلمات مقدّسة». وكانت تجربة صعبة، لأنّ اللغة التي يستخدمها هذا الكاتب لغة صعبة والصور الفنية التي يستخدمها تحتاج إلى جهد كبير لمقاربتها في اللغة العربية.
■ هل يموت الشعر بعد ترجمته من لغته الأم؟
□ الشعر على وجه الخصوص والأدب على وجه العموم يفقد بعضاً من جمالياته، لكن وجود النحو في لغتنا العربية، يمنحها مطواعية فريدة فأنت تستطيع أن تقدم الفعل على الفاعل والمفعول به على الفعل والفاعلِ والفاعلَ على الفعل والمفعول به، إلخ، بحسب ما تريد قوله وما يشكلّ إيقاعاً تحتاجه للشعر.
■ هل تختار الأعمال أولا وبعد ذلك تقوم بترجمتها؟ أم هي من اقتراح مؤسسات أو دور للنشر؟
□ بشكل عام معظم الأعمال التي ترجمتها كانت من اختياري وبعد قراءتي لها.
■ يرى بعض النقاد أنكما أنت وصالح علماني تتبعان منهجية الترجمة الحرفية التي يسودها الغموض مثل، رواية إسابَل أينده (أو أيندي) «ابنة الحظ» في القسم الثاني، خصوصا العبارة التالية «فضيحة الخضار والفواكه»، نقرأ التالي «ألقت نظرة حولها فرأت فضيحة الخضار والفواكه في ذلك الصيف الكريم، وهي من الوفرة بحيث لا يمكن بيعها فالخضار تنمو في فضاءات البيوت، والأشجار تتكسر تحت حملها من الثمار، وبالتالي قليلون هم المستعدون لدفع ثمن ما يأخذونه مجانا». هناك من يقول إنكما لم تكونا موفقين في ترجمة هذه الفقرة حيث يشوبها الغموض. ما هو ردك؟
□ يحدث أحياناً أن تقع بعض الأخطاء أو الركاكة، فالمترجم التام غير موجود. أما بالنسبة للترجمة الحرفية فالموضوع ليس كذلك. أنت أمام أسلوب، الكاتب يعتمد طريقته، ولا بدّ لك من أن تحترمها وتنقل أو تبتدع ما يوازيه في لغتك. ثمّ هناك الصور الفنّية، لا بدّ من الحفاظ عليها لأنّها من إبداع الشاعر أو الروائي. بالنسبة للفقرة من رواية «ابنة الحظ» هل هي لنا أم لي أم له، هل يعقل أن نكون قد التقينا حرفياً في الترجمة؟ لكن يمكن أن تُصاغ الجملة بطريقة أفضل. هذه هنات قد أقع فيها. ويقع فيها آخرون. كما في موضوع التقديم والتأخير لاسيما في الشعر، مثلاً هذا المقطع من قصيدة لمانويل ماتشادو كما ترجمها أحدهم:
أنا مثل أولئك القوم الذين عمروا أرض أجدادي
أنا من جنس كان قديما صديقا للشمس
أنا من أولئك الذين كسبوا كل شيء وفقدوا كل شيء
وروحي هي روح الزنابق العربية الإسبانية.
وترجُمتها منذ زمن طويل كما يلي:
أنا مثل أولئك الذين جاؤوا إلى وطني،
من سلالة عربية، رفيقة الشمس الأزلية،
أولئك الذين ربحوا كلّ شيء ثمّ فقدوه،
روحي من سنبل الطيب روحي، عربية إسبانية.
المعنى في الترجمتين واحد، لكن الشعرية مختلفة وفي الشعر هذا مهم. والتقديم والتأخير وأهمّيته كما في هذا المقطع من قصيدة مفاجأة لغارثيا لوركا:
ميتاً بقي في الشارع
وخنجرٌ في صدره
ولم يعرفْهُ أحد.
يمكن أن تترجم بطريقة أخرى: بقي ميتاً في الشارع
ولم يكن أحد يعرفه
وكان في صدره خنجر.
لكنّها تفقد إيقاعها والتركيز على كلمة «ميت» التي هي لبّ القصيدة. أقرأ النص ثمّ أترجمه ثمّ أراجعه وأعمل على أن يقرأ آخرون العمل قبل نشره، فالقارئ الذي لا يعرف النص، يستطيع أن ينتبه إلى الخلل الذي قد يكون مرّ ولم تنتبه إليه أنت.. أهم مسألة هي أن تشعر وتعيش جمالية العمل المترجم.
■ هل هناك فرق بين ترجمة أعمال لإسبان وآخرين من أمريكا اللاتينية؟
□ طبعاً. خاصّة في مجال الرواية، هناك ثراء أكبر في أدب أمريكا اللاتينية، وذلك نظراً للتنوّع البيئي والعرقي ولدخول مفردات كثيرة من اللغات المحلية فيها.

شاهد أيضاً

النظام يمنع سكان مخيم اليرموك من العودة لمنازلهم

  منعت قوات الأمن التابعة لنظام بشار الأسد، أهالي مخيم اليرموك من العودة إلى منازلهم، …