السيف الدمشقي

52

التجمع الوطني- كلنا شركاء:

عندما يُذكر السيف العربي ترتسم أمامك صورة السيف الدمشقي، وتجري في خيالك أمجاد العرب التي تحققت بفضله؛ هو سيف الفتوحات الإسلامية، وأشهر وأهم السيوف التي مرت في تاريخ البشرية، وضرب صيتها الآفاق؛ فهو يعد لغزاً وأسطورة اجتهد الكثيرون في كشف كنهها، وحاروا في أمرها. سيف كسائر السيوف، لكن ما نسج حوله وذاع عنه، وما تألف من قصص وروايات يجعله سيفاً أسطورياً؛ إذ يعد أمضى من غيره وأقوى تأثيراً.

أسطورة الصناعة

سيف الآلهة” تسمية تشوّقك، وتحرّضك للبحث في جوهره وتتبع آثاره الأولى، فصناعة هذا السيف العجيب بقيت سراً غامضاً فترات طويلة، ولم تكشف سره أي حضارة أخرى، إلا من فترة قريبة؛ ولذلك سمي بـ “سيف الآلهة”؛ فبعد مرور مئات السنين وتطور الكيمياء، وبعد القيام بالعديد من التجارب والتحاليل التي شغلت العلماء منذ القدم، وُجدت نظرية كشفت ماهية تركيبه تقول إنه خليط سحري نادر من عناصر كيميائية خاصة، وإن الحديد المستخدم في صناعته كان يجلب من الهند عن طريق بلاد فارس، وهناك فريق ألماني قال إنه صنع بتقنية النانو، وسبب بقاء ذلك سراً أن الصانع كان يبوح بالسر لابنه فقط الذي بدوره يبوح به لابنه؛ من أجل أن تتناقله العائلة ويبقى محصوراً في إطارها، فلا يسمح للآخرين بالاطلاع على الطريقة التي يصنع بها.

صناعته يدوية بشكل كامل لا تدخل فيها الآلة، ولها أسطورة سورية قديمة تناقلتها الأجيال منذ غابر الأزمان؛ تقول إن الإله حدد (أحد آلهة سورية القديمة؛ إله الطقس والعواصف والأمطار) كان يضرب قاسيون بالبرق، فيترك ذاك البرق آثاراً تتكون من نترات الحديد، فكان صناع السيوف يستخرجون من التراب تلك الآثار والمواد ليأخذوها ويبدؤوا بها أولى الخطوات، فهذه النترات تعد العنصر الأول في صناعة السيف، وتخلط بمركبات سرية وسحرية غامضة، لا يعرفها أحد إلا كبير الصناع؛ والذي يعرف بـ “شيخ الكار”.

بعد ذلك تؤخذ العجينة وتوضع في بوتقة، وتشوى بالنار شيئاً دقيقاً حتى تلين، ويستطيع بذلك الصانع أن يدقها ويشحذها ويطوّعها بالصورة والشكل الذي يريده، ويدخل فيه تموجات تميزه عن غيره من السيوف، ثم يُسنّ ويُلمّع وتكتب عليه كلمات تخاطب الإله حدد؛ تتضمن صلوات وعبارات تشير إلى أن من يحمل هذا السيف لا يخسر حرباً، وخصوصاً إذا كان يخوضها في سبيل الإله حدد، وفيما بعد باتت تنقش عليه أبيات شعر، وبعد الإسلام صاروا ينقشون آيات قرآنية ويزين بالأحجار الكريمة.

صناعة السيف الدمشقي بدأت في الانتشار منذ عهد الأمويين، وفي فترة غزو تيمورلنك دمشق في القرن الخامس عشر الميلادي، وتوقفت منذ القرن السابع عشر الميلادي، ولم يتبقَّ منها إلا القليل التي يمتلكها بعض الأثرياء وأصحاب سيوف قديمة توارثوها من أجدادهم؛ فمن يمتلك سيفاً دمشقياً صاحب ثروة لا تقدر بثمن؛ إذ إن المتاحف العالمية التي تمتلك واحداً منها تعتبره كنزاً ثميناً يغني مجموعتها الأثرية.

الميزات والشهرة

من ميزاته أنه كان يقطع قطعة حرير إذا وقعت عليه، وفولاذه متين لدرجة أنه قادر على قطع الأشياء الأخرى المصنوعة من الفولاذ، وقادر على قطع الحجر.

الشهرة الأوسع اكتسبها السيف الدمشقي في الحروب الصليبية؛ إذ كان له الفضل الكبير في صدها؛ فحجمه الصغير كان ذا مفعول قاتل أدخل الخوف إلى قلوب الصليبيين، فقد كان السيف الصغير المتين قادراً على شق الدروع، وأمام هذه الشهرة أرسل الصليبيون جواسيس إلى دمشق؛ تخفَّوا على أنهم مستشرقون يريدون تعلم مهنة صناعة السيف الدمشقي وكشف أسرارها، لأنهم سمعوا الكثير عنه، لكنهم فشلوا في مسعاهم، نظراً للتكتم الشديد الذي يُفرض من قبل الصانعين.

ولم تقف حدود السيف عند دمشق فقط، بل انتقلت هذه الصناعة العريقة إلى أصفهان في إيران وحلب والعراق، لكن بدأت بالتراجع في الفترات التالية؛ ولا سيما بسبب تيمورلنك الذي اصطحب معه أكثر من خمسة عشر ألفاً من الصناع إلى سمرقند، وفي روايات أخرى اصطحب أكثر من 150 ألفاً، مهما كان عدد الصناعيين الذين اصطحبهم معه فذلك يبقى عاملاً أساسياً في تراجع هذه الصناعة في تلك الفترة، وعند دخول السلطان سليم دمشق، أخذ معه أمهر الصناعيين إلى الآستانة؛ منهياً بذلك تلك الحرفة الخالدة؛ لأن أسرارها كانت بحوزتهم.

شاهد أيضاً

بوتين إذ يشارك بشار الأسد مأزقه

الحياة المؤلف: عمر قدور بالتأكيد كان خبر تسبب إسرائيل بإسقاط طائرة استطلاع روسي، الأسبوع الماضي …