الممانعة شفافة وخصومها مرتبكون

الحرة
حازم الأمين

“صمت دهرا.. فنطق كفرا”! وأخيرا حصلنا على إجابة عن سر قبول جماعات “المقاومة” ومفوهيها وكتبتها بالعلاقات الروسية ـ الإسرائيلية، التي تسهل لتل أبيب مهمتها في المواظبة على قصف مواقع “أبطال الجيش العربي السوري” وحلفائه من الجماعات الشيعية.

حصلنا على إجابة مقتضبة وغير رسمية، إلا أنها قد تساعدنا على فهم سبب ذلك القبول الفظيع بحليفـ”نا” الذي يسهل مهمة قتلـ”نا”. فقد قالت صحيفة الممانعة مفسرة هذا القبول: “مع إسرائيل أيضا، لم تقف موسكو في وجه ما تعتبره تل أبيب خطوطا حمرا في ما يخص ‘التمركز الإيراني’ و’نقل سلاح كاسر للتوازن إلى لبنان’. لكنها حصلت، بالتعاون مع حلفائها، خطوطا حمرا لم تكن مواتية في السنين الأولى من الحرب وأبرزها إسقاط الرئيس السوري ودمشق”.

إذا هو قبول بمحو الخط الأحمر عن الدور الإسرائيلي في سورية في مقابل تثبيته في وجه الراغبين بإسقاط بشار الأسد. هذه المعادلة لا لبس فيها، وقد صدقت الصحيفة في تثبيتها بصفتها المعادلة التي يجب أن تُشهر في وجهنا نحن الساعين للحصول على إجابة. وهي على كل حال معادلة سبق أن ارتسمت هي نفسها في أكثر من مناسبة. افتتحها رامي مخلوف في مقابلته مع الراحل أنتوني شديد، واليوم ترفعها في وجهنا صحيفة “المقاومة والممانعة”، ولهذا يجب أن نكف عن التساؤل وأن ننقل حيرتنا إلى مستوى آخر خلال سعينا إلى استيعاب حال الاختناق السوري.

سجلت الممانعة نقطتها بوضوح وشفافية. القصة ليست أكثر من صراع مذهبي. حماية النظام السوري هي المهمة المركزية لحركة “المقاومة” من المحيط إلى الخليج.

“المقاومة” لم تكن يوما أكثر من أقنعة لحروب أهلية. صُمم “النصر الإلهي” في لبنان في العام 2006 على مقاس حرب أهلية أعقبته، وعلينا في هذا السياق أن لا ننسى ما جره القرار الإسرائيلي قبل الانسحاب من لبنان في العام 2000 من عبارات أضيفت إلى قاموس الصراع من نوع “مؤامرة الانسحاب من جزين”.

لكن وعلى رغم هذا الوضوح وعلى رغم ما أقدم عليه هذا الخطاب لجهة مكاشفتنا بكل نواياه، يجب علينا أن نعترف بقدرته على تجاوز اعترافاته وعلى الانتقال الفوري إلى موقع من يدين خصومه بما سبق أن اعترف هو نفسه بإقدامه عليه.

يحق لهذا الخطاب أن يتهمنا بالعمالة لمجرد أننا نصف “المقاومة” بأنها مشاريع حروب أهلية متنقلة. وأن نبدي رغبة بالسلام، فهذا امتداد لتهاوننا وتفريط بالحقوق “المقدسة”. والحال أن حقه هذا انتزعه منا، ذاك أنه يدرك ضعفنا حيال تُهم من هذا النوع، ويعرف أننا في هذه اللحظة امتداد لوعيه وأننا أبناء هذا الخطاب وهذا المزاج.

لم يتجرأ أحد منا يوما على قول ما قاله رامي مخلوف لأنتوني شديد، ولم نكن يوما “واقعيين” على نحو ما هي “المقاومة” واقعية، عندما تعترف بأن القصة الفعلية بالنسبة إليها ليست الرد على القصف الإسرائيلي إنما حماية النظام.

لقد كانت الإجابة شديدة البساطة والوضوح، وذلك ناجم عن ثقة بأن هذا الوضوح لن يخلف خسائر ولن يصدع الخطاب. في اليوم الثاني تماما يمكن لكتبة محور الممانعة أن يستيقظوا وأن يباشروا خطاب “تحرير فلسطين” من دون أن يشعروا أن ثمة من سيسألهم! لكن السؤال هو لماذا نحن نشعر حيال أي شطط أو سوء تفاهم مع “قضية العرب المركزية” بأن ثمة من سيسألنا؟ لماذا نشعر أن طلب هدنة سيجر علينا تهمة الخيانة؟

تكمن الإجابة في ذهولنا بعد كل قصف إسرائيلي لمواقع سورية. في خوفنا من أن نُتهم في أن هذا القصف قد يلوح بصفته مصلحة مشتركة تجمعنا مع الإسرائيليين. وهذا ليس دأب النظام وحلفائه، فقد أعلن هذا الأخير وفي أكثر من مناسبة تواطؤه مع “العدو” من دون أن يكترث لنا، وها هو اليوم يعلن تفهمه لتسهيل موسكو مهمة الطائرات الإسرائيلية المغيرة عليه. وهذه ليست “مازوشية” إنما تدبرا وقبولا بالامتهان.

الغريب مثلا أننا لم نسمع يوما من أي طرف من المعارضة السورية رأيا بالقصف الإسرائيلي لمواقع النظام، أو حتى من مثقفين وكتاب مستقلين معارضين! مرد هذا التساؤل ليس الرغبة في الحصول على إجابة، بقدر ما هو رغبة في التفكير في أننا عالقون في خطاب الممانعة بصفته حدا “قيميا” رسمته هي لنا، وها نحن نلتزم به، في حين تمارس هي تخففا ورشاقة حياله. وفي الوقت الذي ندينها نحن بهذه الحقيقة، نكون من جهة أخرى أعدنا تثبيت هذا الشرط بصفته الحد الذي نخاف أن نعبره.

حين نسأل النظام لماذا يقبل بهذا الدور الروسي المهين والمسهل لمهمة تل أبيب في سورية، فإن جوابه البسيط والواضح هو: لأن روسيا منعت إسقاط النظام. أما حين سألنا هو عن أسباب عبور أفراد القبعات البيضاء من جنوب سورية عبر مطار تل أبيب أثناء توجههم إلى أوروبا، فارتبكنا وبحثنا عن إجابة تجنبنا احتمالات تخويننا. يجب أن نفكر بالفارق بين الإجابتين.

 

الأسد وإيران وَوَهْمُ روسيا

العربي الجديد
المؤلف:
أسامة أبو أرشيد

لا يملك غيورٌ على سورية إلا أن يُصاب بالدهشة، إن لم يكن الاشمئزاز، وهو يتابع غبطة بعض أنصار نظام بشار الأسد، وراعيه الإيراني، وسعادتهم، بُعَيْدَ إعلان روسيا سقوط طائرة عسكرية لها بنيران الدفاعات الجوية السورية، مساء الاثنين الماضي، ما أسفر عن مقتل 15 جندياً روسياً.

مردّ سعادة هؤلاء وغبطتهم أن روسيا حَمَّلَت إسرائيل مسؤولية الحادث، حيث اعتبرت وزارة الدفاع الروسية أن “الطيارين الإسرائيليين جعلوا من الطائرة الروسية غطاءً لهم، ووضعوها بالتالي في مرمى نيران الدفاع الجوي السوري”.

لكن جوقة “نظام الممانعة” والتصدّي “للمؤامرة الكونية” على سورية بقيادة الأسد لم تكلف خاطرها إكمال حكاية البيان الروسي الذي احتفلت به، وفيه: إن إسرائيل “لم تبلّغ موسكو بالعملية في اللاذقية، بل فعلت ذلك قبل أقل من دقيقة من الهجوم، وبالتالي لم يكن في الإمكان إعادة الطائرة إلى منطقة آمنة”.

إذن، مشكلة الروس لم تكن في قصف إسرائيل أهدافا داخل الأراضي السورية، بقدر ما أنها متعلقة بتنسيق ذلك معهم، والذي من الواضح أنه لم يتمَّ هنا بالشكل المطلوب والمتفق عليه من قبل.

باختصار، سواء انتقمت روسيا من إسرائيل بطريقة أم بأخرى، وهو غير مستبعد، وسواء وضعت قواعد جديدة للعبة في سورية في مواجهة العربدة الإسرائيلية أم لا، فإن ثمة حقيقتين لا تتغيران. الأولى، أن روسيا دولة احتلال في سورية، جاءت لدعم نظامٍ مجرمٍ ضد مطالب شعبه العادلة، وارتكبت من الجرائم والمجازر بحق الشعب السوري ما يعجر البيان عن وصفه.

الثانية، أن روسيا سمحت لإسرائيل، وعلى مدى ثلاث سنوات، بانتهاك الأجواء والسيادة السوريتين، وهذا يدل على أن دورها لم يكن هدفه يوماً التصدّي “للمؤامرة” الصهيونية والإمبريالية الأميركية – الغربية على سورية، كما يزعم أنصار نظام الأسد وامتدادات إيران، بقدر ما أن دورها محصورٌ في ضمان بقاء سورية ضمن محور التخلف والقمع العربي، تحت وصاية إمبريالية روسية. بهذا المعنى، تصبح إيران ومليشياتها في سورية، والأسد ونظامه، مجرّد أدوات تحاول روسيا توظيفها لمصالحها، حتى ولو اقتضى الأمر الاستعانة بمطرقةٍ إسرائيليةٍ لتطويعها، إلى حين انتفاء الحاجة إليهم.

شاهد أيضاً

مخرج وممثل “يا كبير” هذا ما جرى في “قرطاج”

أثار عرض مسرحي بعنوان “يا كبير” للمخرج “رأفت الزاقوت” عاصفة من الانتقادات والجدال عقب ظهور …