(الموت عمل شاق) و(ملخص ما جرى)… روايتان سوريتان عن الحرب بالألمانية

كيف يمكن أن نكتب حول الموت والمعاناة الكونية؟ رشا عباس (34 عاماً) وخالد خليفة (54 عاماً)، هما كاتبان من سوريا، تُرجم اثنان من أعمالهما إلى اللغة الألمانية.

وتعد مجموعات “ملخص ما جرى” القصصية للروائية رشا عباس، ورواية “الموت عمل شاق” لمؤلفها خالد خليفة، عملين مميزين رغم الصور المرعبة والصادمة التي يقدمانها، ما يجعلهما يشدان القارئ الذي لا يمكنه التوقف عن القراءة، حسب صحيفة FNB الألمانية.

ما زالت الحرب مستعرة على الأراضي السورية، منذ سنة 2011. وصدر العملان الروائيّان للكاتبين السوريين، ليقدِّما شهادة على هذا الكابوس الذي يعصف بالبلاد. وقد تحدث خالد خليفة ورشا عباس، أمام الصحافة الألمانية، عن تجربة الكتابة حول موضوع مثل الحرب الأهلية في سوريا.

لغة بسيطة لوصف الموت

ربما يُعزى هذا النجاح إلى اللغة البسيطة التي يستخدمها خالد ورشا لوصف الموت. فهما يقدمان صوراً طريفة لا تميز فقط لغتهما؛ بل أيضاً الشخصيات الواردة في الرواية. إنهما يمثلان شعباً مهجراً ومصدوماً ببشاعة الواقع؛ لذلك لم يعُد الموت يُخيفهما، ليغدو مجرد عمل شاق.

خالد خليفة لا يزال يبحث عن طريقه في دمشق

يعيش خالد خليفة إلى اليوم في دمشق، وهو واحد من أشهر الكُتاب السوريين. ويُعرف عنه أنه من منتقدي بشار الأسد، وقد مُنعت أعماله من النشر في سوريا، إلا أنه يقول للصحفيين الألمان: “إن هذا لا يزعجني، إنه أمر عبثي، لا يمكنك أن تتحدث عن الكتب الممنوعة بينما أصدقاؤك يُسجنون مدة 15 سنة لمجرد أنهم عبَّروا عن آرائهم السياسية”.

يقضي خالد يومه في شرب القهوة، والكتابة والتقاء الأصدقاء. وفي حديثه عن أعماله، قال خالد: “أنا لست خائفاً من أن أكتب، ولا أفكر أصلاً في الخوف؛ بل أركز على إيجاد طريق أسلكه بين المناطق التي تعرضت للقصف”.

حكاية الجثة أو الرحلة الشاقة من دمشق إلى حلب

يُشار إلى أن كتاب “الموت عمل شاق” كان قد نُشر باللغة العربية سنة 2016، والآن قام هارتموت فاندريش بترجمته إلى اللغة الألمانية. وهو يروي قصة 3 إخوة يسعون لتحقيق أمنية والدهم الراحل، ونقل جثمانه لمسافة 300 كيلومتر من دمشق إلى مقبرة في مسقط رأسه تقع ببلدة قرب حلب.

“أسوأ ما في الحرب تناسل الأحداث الغرائبية وتحوُّل القصص المأساوية إلى حدث عادي”

وتعود الجثة للأب عبد اللطيف، الذي أوصى ابنه الأصغر بأن يُدفَن إلى جوار أخته (ليلى) بقرية (العنابية بريف حلب). وكانت ليلى قد انتحرتْ منذ ما يقرب من عقود؛ لأنها أُجبرت على الزواج بمن لا تُحبّ، وقالت في وصية انتحارها: “أريد لأقربائي أن تحيط قبورهم بقبري؛ لعل رُوحي ترتاحُ”.

وبالطبع، تبدو مهمة قطع مسافة 300 كيلومتر أمراً مستحيلاً، في وقت يسيطر فيه كل من ميليشيات الأسد، والفصائل العسكرية على البلاد، ويقسمونها إلى مناطق نفوذ وصراع. ومع ذلك، تصر الشخصيات الثلاثة على التقدم من حاجز ونقطة تفتيش إلى أخرى، وأحياناً يتعرض جثمان الوالد، الذي كان من المساندين للثورة، للاعتقال المؤقت، وفي أحيان أخرى يتعرض أحد الأشقاء للتوقيف بقبو حتى ينظر في أمره أحد القضاة الشرعيين.

“هذه ليست رحلة لدفن جثمان أب؛ بل هي رحلة لاكتشاف الذات، وكم أنّ الموت عمل شاقّ. إنّها رواية عن قوّة الحياة، لكنّ الموت هنا ذريعة ليس أكثر”

تستغرق هذه الرحلة وقتاً أطول بكثير مما كان يأمله هؤلاء الأشقاء، وهي لم تنتهِ بعد، حيث تنتفخ جثة الوالد وتبدأ الديدان بالتكاثر فيها، وهنا لا يبقى هناك شيء يمكن أن يصدم أكثر هؤلاء الأشقاء الثلاثة. وبعد هذه الأهوال، أصبح قلب الشخصية الرئيسية “بلبل” بارداً مثل حبة فاكهة فاسدة.

ووُلد خالد خليفة في حلب، وحصل على الإجازة بالحقوق من جامعتها وما زال يحتفظ بجذوره الكردية وعمل في الإعلام السوري والكردي، وله العديد من الروايات والأعمال الدرامية والبرامج التلفزيونية والأفلام الوثائقية، ومن أشهر رواياته “زمن الخديعة” و”بغداد زمن الحب” و”الحرب” و”مديح الكراهية”.

“ملخص ما جرى” لرشا عباس

تميزت الروائية رشا عباس أيضاً بأسلوبها في رواية “ملخص ما جرى”، التي ترجمتها الألمانية ساندرا هيتزل، وهي مجموعة قصصية تزخر بالشخصيات التي أصابها البرود، والتي لم تفقد عقلها رغم هول ما واجهته. فعلى سبيل المثال، تتمحور أحداث هذه الرواية حول شخصية تفكر في قتل نفسها، وفي ذهنها، تكتب رسالة وداع إلى أمها تقول فيها: “خذي رأسي واغرسيه في بذور البطيخ، إن هذا علاج منزلي قديم ومجرب”.

“كانت القيامة قد حلَّت، وكانت الأرض لي. وصلتُ إلى هذه المدينة قبل عام. ظننتُ أنّني سأشعر بالألفة أخيراً، مع المسوخ كلهم الذين يعيشون في المكان، أشباهي. ظننتُ أنّني لن أكون غريبةً، كما كنتُ في البلد، ولكنّ ذلك لم يحصل. هل تعرف كم هو مستحيلٌ أن أجد عملاً؟ قد يرون مظهري طريفاً، اللون الأزرق في شعري، أقراط الوجه والوشوم؛ لكن، لا أحد قد يكلّفني بعمل. أستطيع طبعاً أن أرتدي ليوم مقابلة العمل ثياباً نظيفة، وأخفي ذراعيّ تحت أكمام طويلة، ولكن، ليس هذا هو القصد. إنّما هذه الهيئات وُجدت لنميّز بعضنا، ولئلا نبذل جهداً في التعامل مع مَن هم عبء علينا. نحن بلا جذور، هذه هي القصّة. لم يكن الأمر يوماً سهلاً، ولذلك أنا هنا. أشعر بالبرد حقاً من الوقوف في الطريق، والتحدّث إلى الناس المسرعين جداً”.

تنحدر رشا أيضاً من دمشق، إلا أنها تعيش متنقلة بين هولندا وألمانيا منذ سنة 2002. وعكس خالد خليفة، فإن قصص رشا تتحول غالباً إلى حكايات خيالية ومليئة بالتناقضات. وقد غيَّرت تجربة الحرب أسلوبها في الكتابة، حيث قالت: “ربما تكون لغتي قد تأقلمت مع التغييرات السريعة التي تعرضت لها، والسفر من مكان إلى آخر، ما يجعل كتابتي أكثر كثافة وتركيزاً”.

الخوف المستمر في الرواية السورية

وفي روايات رشا وخالد، تتحرك الشخصيات في وضعيات درامية، حيث إنها تخضع لسيطرة السلطات التي لا يفهم أحدٌ آليات عملها، والتي تتمتع بالسلطة المطلقة. وفي حديثها عن أحد أبطال روايتها، أكدت رشا: “لم تكن لديَّ أدنى فكرة حول التهم التي يمكن أن توجَّه لي”.

يغلب على أعمال كلا الكاتبين طابع الخوف المستمر من التهديد، حيث تكثر في خلفية الأحداث طائرات الهليكوبتر، ودوي الصواريخ المضادة للطيران، والقنابل اليدوية، لتقدِّم لنا قصة مأساوية وتجربة حسية مثيرة، وأسلوباً لغوياً خاصاً. حيال هذا الشأن، ذكرت رشا في روايتها: “أنت تربك نفسك بالحرارة، ودموعك تتبخر حولك حتى قبل أن تصل إلى خديك، حيث تتحول إلى بخار يملأ الغرفة شيئاً فشيئاً. لقد مت لأنني بكيت، وبجانبي في السرير، بدأ قارئ الأشرطة البلاستيكي يذوب، على الرغم من أن شريط التسجيل لا يزال يدور، ويصدح بأغنية قديمة”.

كيف يمكن وصف الفظائع روائياً؟

حسب تقديرات المرصد السوري لحقوق الإنسان، بلغت حصيلة القتلى أكثر من 511 ألف شخص منذ بداية الحرب الأهلية السورية. وقد وصلت المعاناة إلى مستويات تفوق الوصف، لدرجة أن “اليونيسيف” أصدرت بياناً صحفياً فارغاً في شهر فبراير/ شباط 2018، على أثر الغارات الجوية التي تعرضت لها الغوطة الشرقية. ودائماً ما تتحدث الأمم المتحدة، في موقعها الرسمي، عن معاناة تفوق الوصف يتعرض لها الشعب السوري، حسب الصحيفة الألمانية.

ولكن، كيف يمكن لكاتب وصف كل هذه الفظائع، التي عجزت المؤسسات الرسمية الدولية عن إيجاد الكلمات للتعبير عنها. تقول رشا: “بالطبع هناك أشياء يصعب توصيفها؛ لذلك أنا أحاول في أثناء الكتابة أن أُبقي على مسافة بيني وبين ما يحدث في الحرب. هناك أيضاً الخوف من أن تستغل هذه الأحداث المروعة وقصص الضحايا لتكون مجرد مواد للكتابة، وهذا يولِّد شعوراً بالانزعاج، إلى جانب مشاكل أخرى”.

أما خالد خليفة، فبيَّن: “دائماً ما يشعر الكتّاب بأنهم غير قادرين على التحدث عن الأمور التي تفوق الوصف، ولكن حتى لو عرف العالم حقيقة ما يجري في سوريا، فإنه لن يصدق على كل حال”.

شاهد أيضاً

تجار مخدرات ومجرمون لبنانيون يقيمون في منتجعات طرطوس هرباً من السجن

دخل عشرات المطلوبين في منطقة البقاع الواقعة شرقي لبنان إلى سوريا، مع بدء تنفيذ الجيش …