حَلَبُ.. التي تُعرَفُ مِن حناجرها وأقلامها – نجم الدين سمَّان 3 من 3

Untitled-1

العدد 3 مجلة تواصل – ملف حنين

عطفاً على مقامتي عن روائح حلب وأرواحها.. حتى صارت
للموشحات فيها رائحةُ أندلسٍ؛ يستعِيدُ الحلبيّون فِردَوسَها في كلّ
سهرةٍ بالحنين، وبِتَمَايُلِ الصبايا في «رَقصِ السَمَاح » ذاتَ يمينٍ.. فتميل
بنا شِغَافُنا، ذاتَ يسارٍ.. فتعتدل مُقرنصاتُ الحجر، تدور الصبايا بمناديل
أشواقِهِنَّ.. بيضاءَ مِن كُلّ غَرَض وغايةٍ؛ سوى عِشقِهِنَّ لِرَقصِهِن،
فتَندَاحُ دوائرُ الماءِ بِهِنَّ حولَ النوافير وفي هواءِ صَبَابتِنا، فإذا بِهِنَّ يتعرَّقنَ
كبياضِ الفُلِّ.. مُترِعاتٍ كؤوسَ الراح والرائحة.
ربما.. ذهبت الموشحات من حلبَ إلى أندلس، قبلَ زرياب، أو معَهُ..
المؤكّدُ أنها آبَت لمّا انحسرت دولُ الطوائفِ عن آخرِ مَعَاقِلِهَا
في غرناطة، فاستقرَّ منها لونٌ في بلاد المغرب العربيّ: المالوف،
ولم يبقَ لها في برّ الشامِ سوى لونها الحلبي.
ثمّة.. الفارابيّ، من موسيقاها إلى موسيقاهُ مُجرّدةً عن كلّ
غناءٍ.. قد أضحكَ بها الحشد في قاعة العرش الحمدانيّ على
ضفة النهر، ثمّ أعاد ترتيب الأعواد في «قانونه » فأبكاهم، ثم
بدّلَ في أوتاره؛ فَرَبَتَ على أكتاف نُعاسِهِم فناموا.. ونامت
فيهمُ الرائحة.
ثمّة المواويلُ.. وأبرزُهَا: الشرقاويّات والعتابا، خصوصاً: السبعاويّات،
سبعَ قوافٍ.. تتغيّر حركاتُ حروفها، لتنزاح معانيها عن
دلالاتها:
يابا عزّك بدنياك.. إحسانك لزيد وعمر
«عمرو: اسم علم »
يابا وابني لنفسك.. قصور من المكارم عمر
«عُمُرْ: عامرة »
يابا وعود لسانك.. على قول الصدق عمر
«طوال عمرك »
يابا.. أحسن مزاياك.. لو شافك عدوك مال
«مال: بمعنى انهزم »
يابا اصمد بملقاك.. لو جار الزمان ومال
«مال: من الميلان »
يابا لا تفتخر بالدهب.. وتقول عندي مال
«مال: النقود »
يابا المال يذهب.. واسم الزين باقي عمر
«طول الزمان »
لِقُدودِهَا.. غناءً وتطريباً، رائحةُ امرأةٍ في بساتين حلب، عند نهرها
الذي كان نهراً ثم اندثر:
أنا وحبيبي في جنينه.. والورد مخيّم علينا
طلب مني وصالو.. يا ربي تستر علينا
والقَدُّ في اللغةِ: قامةُ الانسان، وسُمّيَ القدُّ في الغناء: قداً،
لأنه على قدِّ غيرِهِ من الألحان القديمة، يتمُّ لها نَظمُ نصٍ جديد،
حتى ليكادُ يختفي الأصل، وقد ينخفض الجديد بها إلى الشائع
والمُتداوَلِ والركيك، أو يرتفع بها إلى الوَجدِ فصيحاً وباللهجة،
رغم وجودِ قدودٍ بلهجاتٍ أخرى، كما.. في حمص، وأشهرهم فيها
الشيخ أمين الجندي المُتوفى عام 1257 هجرية، وقد اختارَ حلب
منزلاً له زمناً طويلاً، ومن قدودِهِ المشهورة:
هَيّمَتنِي.. تيّمَتنِي؛ عن سِوَاها.. أشغلتنِي
وفي أرمناز غرب مدينة إدلب قدودٌ تختلف: صوفيّة وغيرها،
يتوارثونها مُشَافَهَةُ وجيلاً إثر جيل، وفي دمشق.. قدودٌ نظمها
الشيخ عبد الغني النابلسي الدمشقي المتوفى 1143 للهجرة،
أشهرها: عشق المليح الغالي
على قدّ: عيني عليك سيّالة.. يا بو عيون غزّالة.
وقصدَ أبو خليل القباني حلبَ، فمكث فيها زمناً يأخذ عن أحمد
بن عقيل الحلبيّ فصولَ الرقصِ المُسمَّاةِ بالسماح؛ حتى تمكّن
فيها من الموشحات والقدود، وذاك قبل انشائه لمسرحه. وهو
الأمر ذاتُهُ الذي فعله الشيخ عبدو الحامولي قاصداً إياها من
مصر؛ ومثلُه سيّد درويش مكثَ فيها عاماً كاملاً.
تبقى حلب، كما يُشير د. سعد الله آغة القلعة، الناشرَ الأهمَّ
للقدود، حيث أغلبُ القدود المعروفة هي.. بلهجتها، وقد ذكر
كامل الخُلَعِي في كتابه «الموسيقا الشرقية » بأن فناناً حلبياً هو
شاكر أفندي الحلبي نقل إلى مصر الموشحات الأندلسية والقدود
الحلبية؛ وكان ذلك ابتداءً من سنة 1100 للهجرة، وهو تاريخ سابقٌ
لولادة الشيخ أمين الجندي، الذي يحاول الحماصنة من وراءِ ظهرِهِ،
القولَ بالقدودِ: حمصيةً.. دونَ سواها مِن سائر المشرق.
ثمّةَ الأدوارُ.. والقصائد الطوال، أبرزها: البُردَة.. للبوصيري وأشعار
الح جّال وابن الفارض والنابلسي والصنوبري والبرّي، حيث حافظت
الزوايا والتكايا الصوفيةُ أكثرَ من غيرها، على التراث الغنائيّ
الذي تتفرّدُ به حلب، وكما يتدرّج المُرِيدُ في مراتبِ الصوفيّة، تَرقَى
حناجِرُ حلبَ في مَدَارِجِها وصولاً إلى قرارِ الروح في جوابِ الشِفاه،
إذ يبقى المُطرِبُ في كَورَسِ شيخه وأستاذه، حتى تستقيمَ له
المقاماتُ وتلِينَ له الأدوار والقدود، ثمّ يأخذُ من شيخِهِ السَمَاحَ..
لِينفَرِدَ بصوتِهِ وفرقتِهِ الخاصّة، وهو ما أسَّسَ لحلب تقاليدها في
الغناء، من حيثُ لا يتسِعُ الطَيفً لِذكرِ كلّ أصواتها، ومنهم:
أحمد سالم من القرن 19 ميلادي، يحفظ شعرَ المتنبيّ جميعَهُ
ويُغنّيه؛ وبينهم: أحمد بن عقيل الذي يُجِيدُ الموشحات والقدود
والأزجال والقصائد، ومنها قصيدة ابن الفارض: عطفاً على
رَمَقِي وما أبقيتَ لِي
من جسمي المُضنَى وقلبِيَ المُدنَف.
واسماعيل الشيخ.. الذي تفرّد بإجادة اللحن الحجازي ونغم
السيكاه إنشاداً للأشعار الصوفية والقصائد النبيوية. و باسيل
حجّار، التاجر، وكان لا يُغنّي إلا في جلسات خاصة جداً، وصوته
من الأصوات النادرة؛ و جبر الأكشر: البارعُ في اللحن العراقي؛
و صالح قصير الذيل.. قد ذاعَ صِيتُهُ حتى عَيّنَهُ السلطان عبد
الحميد في قصره «يلدز » كمؤذّن، وعلى سيرة المُؤذّنين فإن أغلبَ
مُطربِي حلبَ.. قد عملوا مؤذنين، ومنهم في راهننا: الشيخ
صبري مدلل مؤذناً في الجامع الأموي بحلب، والفنان الكبير صباح
فخري؛ وغيرهما كثير.
ثمّة من الأقدمين: عبدو بن الحاج محمد عبدو.. وقد صار مُغنياً
لسلطان المحمّرة خزعل، في عربستان؛ و محمد نصار الذي أنشد
للأمير فيصل عام 1919 م في حلب؛ والحاج عبدو بن محمد غزال..
ا تُخلمصّ بالأذكار القادرية والرفاعية؛ وطاهر النِقِش بكسر النون
والقاف – دلالة جماله الذي يفوق جمال النساء.
ثمّة.. مصطفى البشنك، وأنشأ نادياً لتعليم الموسيقا والغناء،
باسمٍ عجيب هو : قاعة بيت مُشمُشان، حتى صارت رِيادةُ هذا
النادي مثلاً على لسان الحلبيين، فإذا خرجوا من سهرة طربٍ،
قالوا: سهرة.. ولا سهرة بيت مشمشان…
وشيوخ الطرب في حلب: الشيخ عمر البطش الشيخ بكري
الكردي أحمد أفندي الأوبري الشيخ علي الدوريش عمر
الفقش مدرب رقص السماح الشيخ عقيل المنبجي، و من
الملحنين أيضاً: شرف الدين الفاروقي يختصّ بالأغاني الوطنية
والحماسية، وهو كاتب وممثل ومخرجٌ مسرحي، وقد استفاد من
وجودِ آلة العرض السينمائيةفي صالة السينما التي استاجرها
حين أخرج مسرحية «محمد علي الكبير » على مسرح سينما
«اللونابارك » عام 1931 ، فمزج مع المشاهد لقطات فوتوغرافية
سينمائية لمحمد علي يستعرض جيشه، ولقطات تسجيلية
للأسطول المصري في معركته البحرية الشهيرة بمضائق
البوسفور ضد الأسطول العثماني، وفي ذاك.. ريادة فنية غير
مسبوقة في المسرح السوري، وقبلها.. ريادةُ يوسف نعمة الله
جد، لأول عرض مسرحي في حلب عام 1872 ، من إخراجه وتأليفه
وتمثيل طلاب المدرسة المارونية لثلاثة عروض متوالية بعنوان:
«بريجيت » حتى بلغت فرق حلب المسرحية في مئة عام: 114
فرقة فقط!.
وكانت سهرات الطرب تُعقد، ولا تزال.. في البيوت، وصيفاً في
البساتين، ثمّ في المقاهي.. مثل «اللونابارك » ومقهى الشهبندر
الذي خصّصَ مكاناً للعائلات منذ مطالع القرن الماضي.
وسهراتُ نساءِ حلبَ.. شائعة، حيث تكون آلة العود في جهاز
العروس، فإذا كانت لا يُجتِدُ العزفَ فهو.. لِضَيفةٍ تأتيها، أو..
للخوجات يستدعينهنّ للغناء في جلساتهنّ أو الى حَمَّام
النسوان وفي الأعراس، ومنهنّ: الحاجة عائشة المسلمينية
بهية البيبية، ومن ا دُحلمَثاتِ: عدويّة نجار وأم فواز وأم سلمو، ولا تزال
حمامات حلب تشهد بعد انتهاء النساء من طقوسِ اغتسالِهِنّ
جلسات غناءٍ وطرب، إضافةً لجلسات البيوت «الاستقبالات »
بمواعيدَ على الشهر العربي، ومن المُغنّيات ا تُحلمرِفات: بهيّة حبيبو
فيروز الحلبية في الثلاثينيات إلهام شدروفيان يولاند أسمر
التي احترفت التمثيل وحتى فاتن الحناوي وميادة الحناوي كانتا
قد تخرّجتا من هذه الظاهرة: استقبالات نسوان حلب؛ حيث
كانت أمهما تعزف وتُغنّي ايضاً.
وأشهر السهرات الرجالية في حلب، كانت سهرة الحاج بكري
الكردي وكان يقصدها مطربون وعازفون من البلاد العربية
كالعقاد الكبير عازف القانون في فرقتي صالح عبد الحي وأم
كلثوم، ومحمد عبد الوهاب الذي كان يزور حلب سنوياً ليلتقي
أحمد الأوبري وعلي الدرويش وعمر البطش وكميل شامبير وفؤاد
حسون، وتعرفت المطربة نور الهدى على يوسف وهبي في سهرة
الدكتور فؤاد رجائي آغا القلعة، وكانت سعاد محمد ترتاد هذه
السهرات، ومطربة اسمها: ليلى حلمي.
من الأصوات الحلبية المعاصرة: الشيخ صبري مدلل وكان يُغني
في إذاعة حلب باسم صبري أحمد احتراماً لوالده،ثم اكتشف
والده الأمر فتمنى عليه ألا يغني حتى يتوفاه الأجل؛ فبقيَ صبري
مدلل أربعين عاماً يحترم وصية والده؛ ثم أخذ يغني في الحفلات
الخاصة والعامة حتى تجاوز الثمانين عاماً، ومن اصوات حلب: مها
الجابري محمد خيري صباح فخري مصطفى ماهر ميادة
بسيليس حمام خيري عبود بشير وغيرهم كثير جداً.
ومن الموسيقيين: مجدي العقيلي انطوان زابيطا الأخوان
ضياء ونجمي السكري عزيز غنام نوري اسكندر محمد قدري
دلال رضوان رجب بيرج قسيس سمير كويفاتي وبالطبع
عابد عازارية.
وقد ساهمت إذاعة حلب التي تأسست عام 1947 في إطلاق
أصوات: سعاد محمد فايزة أحمد نجاح سلام سحر
نهاوند ح وكانت للإذاعة فرقة موسيقية متميزة، وفي أرشيفها
تسجيلات نادرة لا نعرف اليوم مصائرها! حيث باتت إذاعة حلب
اليومَ مجرّد بُرجِ إرسالٍ على قمة جبل الأنصاري؛ وسط القذائف
والدمار الشديد.!.
لهذا سيتوقفُ بثُّ مقامتنا عن حناجرها، لينتقلَ إلى أقلامها:..
ومن الشعراء الذين اشتهروا في الشهباء وارتبطت اسماؤهم
بها: المتنبي أبو فراس الحمداني البحتري السهروردي
النسيمي.
ومن شعرائها: الصنوبري أبو العلاء من معرة النعمان في
أعمال ولاية حلب، قبل أن يصير في عداد سكان محافظة إدلب
الخضراء!.
وأقامت حلب له مهرجاناً في دار الكتب الوطنية منذ أربعينيات
القرن الماضي شارك فيه طه حسين والدكتورة بنت الشاطئ
والمستشرقة زيكيريد هونيكه.!.
وكانت الكتب تصدر من «حي الوراقة » بِيَرَاعِ الورَّاقين على كَاغِدٍ،
لتستقرَّ مع غيرها في مكتبات: الظاهرية والجامع الأموي،
وفيها مخطوطات لا تُقدّر بثمن، وكان البعض يُوقِفُون كتبهم
للناس، كما فعل آل الكواكبي بثلاثة آلاف مخطوط أوقفوها
مكتبة عامة، ومثلهم فعل خير الدين الأسدي لمكتبة دار الكتب
الوطنية، لكن عبد الرحمن الكواكبي كتب في جريدة «الفرات »
عام 1884 ميلادية:
«حتى إذا استولى عليها أخيراً المُتغلّب الأُمّيَ ابراهيم باشا زاده
حسن بك، فصار يمحو ما عليها من أختامِ الواقفين وخطوطهم
إزالةً لعلامات الوقف، ومايجده منها مُحلّى يالذهب والتخطيط..
يُهديه لأكابر الرجال ذريعةً للوجاهة واليد عندهم، وما وجدَهَ
ضخمَ الحجم أو عتيقَ الجلدِ.. ظنَّهُ حسب جهله من سقط
المتاع؛ فباعه لبعض السُيَّاح الانكليز، ومع ذلك بَقِي تحت يده
سبعمئة مجلدٍ قد صَرَفَهُ اللهُ عن اتلافها، وقد بادرتُ إلى اتخاذ
التدابيرِ لوقاية هذه البقية، ومن جُملتها إعلانُ هذه الموبقات في
بعض الجرائد .»
لا تزال مقالةُ الكواكبيّ هذه، تصلُحُ لمعرفة انسرابِ كثيرٍ من
مخطوطات حلب واختفائها حتى يوم الناس هذا!.
43 42
وكان الحلبيون يتهادَونَ الكتب، ومن ذلك في حنين
عام 1885 .. أهدى أعيان الشهباء من المسلمين
والنصارى نسخة من كتاب «مرآة المجلة »
لقاضي الشريعة فيها، مكافأةً له على عدله
في أحكامه واستقامتِهِ وعِفّتِه.. وهذا من
نوادر ذاك الزمان وفي زماننا!.
بدخول أول مطبعةٍ إلى بَرّ الشام، أُنشِئَت في
حلبَ عام 1856 بمحلة الصليبة، صارت الكتبُ
تتوالى وأبرزها: غابةُ الحق.. لفرانسيس مراش
عام 1865 كأول روايةٍ عربيةٍ حتى الآن، وكتابُ
الشاعر نصر الله دلال «منهاج العلم » في
ذات السنة، عن تاريخ العلم، وفيه فصلٌ عن
ضرورة العلم للنساء.
وتأسّست في حلبَ أول الجرائد السورية
عام « 1867 الفرات » وكانت رسميةً.. وبثلاث
لغات: العربية التركية الأرمنية، واستمرّ
صدورها 49 عاماً حتى سنة 1918 م، وكانت
تهتمّ بأخبار الحروب العامة والولاة والوجهاء
والمتنفذين، فإذا اهتمّت بالأحوال العامة فمِن
بابِ أن «مطبخ جامع العثمانية في حالٍ من
الإهمال إلى أن لمحته العناية الإلهية فأصبحت
تُطبَخُ فيه الأطعمة التي شَرَطَها الواقِفُ في
وصيَّته » فرات العدد 765 لعام 1883 م!.
وخرج عبد الرحمن الكواكبي من إدارة تحريرها
لِيُؤسّس «الشهباء » عام 1876 ، كأولِ جريدة
سياسية مستقلّةٍ في سورية، فلم يَدُم
صدورُهَا سوى خمسة عشر عدداً فحسب، ثم
أوقفتها السلطة، فأسَّسَ جريدة «الاعتدال »
عام 1879 ، فلم يدم كذلك صدورها لنهجها
غيرِ المُوَالي للحكومة!.
وكانت «سلامانة ولاية حلب « السنوية، قد
صدرت عام 1867 ، وهي فهرست سنوي في
كتاب عن كل نواحي الحياة في الولاية تاريخاً
وجغرافيا واقتصاداً وتجارة وعمراناً، وعن عدد
السكان وأبرز الأحداث والإصدارات الأدبية،
حيث كان الشيخ كامل الغزّي مؤرخ حلب
يُحرّر القسم العربي فيها، فلما أرسلوا
نسخة منها الى الباب العالي، أمر السلطان
بتعميمها على الولايات وأمرهم أن ينسخوا
على منوالها، حيث توالت أعدادها السنوية
حتى عام 1908 ، وكانت توازي ما يُعرَفُ اليومَ
بالجريدة الرسمية.
ومن جرائد حلب في مطلع القرن العشرين:
الحوادث التقدم حلب حلب الشهباء
بالياجو: كأول جريدة ساخرة الخطيب: التي
وجّه 18 من وجهاء حلب برقية ضدّها الى وزير
الداخلية في استنبول لتعطيلها، ثم توالت
الجرائد الساخرة: ومنها:
جريدة مسخرة! الكشكول العفريت
هوبلا الغول جريدة المرسح!.. ومقالها
الأول: مرسح الحيوانات، عن قصة ثور وحمار
وكلب! وجريدة تَشَبَّثْ: وكانت آخرها قبل
الحرب العالمية الأولى.
ثمة: جريدة الإعلان، وهي جريدة زراعية
صناعية!.
أبرز مجلات حلب «الحديث » لسامي الكيالي
بين 1928 1959 ، وكانت نديمة المنقاري
الصابوني أصدرت مجلة «المرأة » عام 1930 ،
وصدرت مجلة العاديات: تهتم بتاريخ سورية
وآثارها منذ عام 1931 ومثلها مجلة «الضاد .»
وعلى الرغم من تضييق سلطات الانتداب
الفرنسي للجرائد بسبب من توجهاتها
الوطنية، لا تلبث أن تتوقف إحداها عن الصدور،
أو.. يُلغى ترخيصها.. فتعود الى الصدور تحت
اسم جديد، حتى بلغت جرائد حلب اليومية
عام 1932 ، ستة عشر جريدة بينها ثلاث جرائد
مسائية!، وكان رؤساء تحريرها والمحررون فيها،
يجتمعون بعد عملهم في مقهى الشهبندر
حول النراجيل يتسامرون ويتندّرون ويتابعون
النقاش، على الرغم من اختلاف توجّهاتهم
الفكرية والسياسية، وقال لي أحدهم بعد
اغترابه خمسين عاماً في فنزويلا: كنت أقرأ
خمس عشرة افتتاحية قبل أن أكتب افتتاحية
جريدتي!.
وكانت للأحزاب جرائدها في حلب، ومنها:
الأهالي لسان الحزب الحرّ الدستوري عام 1932 م،
وثمّة.. جريدة سورية الشمالية لصاحبها
أنطوان شعراوي وجريدة على كيفك لمحمد
فهمي الحفار، وجريدة الجهاد ومجلّتها وحتى
لا تأخذنا الأسماء الكثيرة، نكتفي بمقطع لشكري كيندر صاحب
جريدة التقدم، ينتقد فيها أحد المرشحين على قائمة الكتلة
الوطنية في حلب:
«لعلك تستغرب أيها القارئ أن ينقلب رجل في هذه الفترة، من
وطني مُتطرف الى حكومي صرف، ويزول عجبك متى علمت أن
الرجل لم يتحاش هكذا أن يُبدِّل اسمه أو اسم عائلته.. !»
أول شاعرات حلب: مريانا مرّاش، وقد صدر ديوانها «بنت فكر »
عام 1893 م، وعقدت أول صالون أدبي في منزلها، ولما توفي أخوها
فرنسيس مرّاش عن تسعة وثلاثين عاماً فحسب، وأكثر من عشر
كتب، بينها روايته «غابة الحقّ »، وقصيدة «بوق المحبة »، وقصته
الشعرية «الكنوز الغنية في الرموز الميمونية » في 466 بيتاً من
الشعر المنثور على طريقة الرواة والحكواتية، رثته مريانا بأبيات
منها:
من فَقَّهَ الناس في علم وفي أدب ونوَّر الكلّ في شمس من
الفكر
خنساءُ صخر بَكَتْهُ حينما نظرت إليه مُلقى بلا سمع ولا بصر
ثمة.. رزق الله حسّون، الذي طبع ديوانه «نفثات » في هارتفورد
عام 1867 ، وهي قصائد شعرية على ألسنة الحيوانات، أهداها
للأمير عبد القادر الجزائري.
وأبرز شعراء حلب بالطبع: عمر أبو ريشة، وثمة عمر أبو قوس
وشارل الخوري وآخرون، حتى جاء جيل تأثّر بالرومانسية كعلي
الزيبق، وبالسوريالية كعلي الناصر وأورخان ميسَّر من روّاد
قصيدة النثر، بينما نظم أسعد محفّل قصائده بالفرنسية.
وانتقل شكيب الجابري بالرواية السورية نقلة نوعية في زمانها،
برواياته: نهم قدر يلهو وداعاً أفاميا، وكذلك فعل مظفّر
سلطان في القصة، وأديب النحوي خليل الهنداوي فاضل
السباعي جورج سالم بينما أصدر فاتح المدرس مجموعة
واحدة: عود النعنع!.
ومن الأقلام النسائية: نديمة المنقاري من عشرينيات القرن
الماضي، وعملت محررة في مجلة «الفجر » ثم أصدرت عام 1930
مجلة «المرأة »، وكانت صفيّة لطفي تكتب باسم: فتاة الفرات،
وثريا محيي الدين باسم: زنبقة الوادي، وأصدرت جورجيت حنّوش
روايتين: ذهب بعيداً عشيقة حبيبي، وصبيحة عنداني رواية
واحدة، وتخصّصت ليلى صايا سالم بأدب الأطفال، وضياء
قصبجي بالقصة والرواية.
أبرز كتّاب حلب المعاصرين: وليد إخلاصي، الذي جاوزت مؤلّفاته
الأربعين كتاباً في القصة والمسرح والرواية.
بينما كتب عبد الفتاح قلعجي للمسرح ونقده، واختصّ محمود
منقذ الهاشمي بالنقد الأدبي والترجمة ثم توالت أجيال، أبرزهم:
محمد أبو معتوق فيصل خرتش نيروز مالك.
ثمة.. نهاد سيريس ونادر السباعي ونضال الصالح أصدروا قصصاً
وروايات، قبل أن يختص ثالثهم بالنقد الأدبي فحسب، وثانيهم
بنشر الكتب، وأولهم بالمسلسلات التلفزيونية!.
وقد بدأ محمد جمال باروت بنقد الشعر وعبد الرزاق عيد بنقد
القصة والرواية قبل أن يتحوّلا الى باحثين في الفكر وتاريخ
أحزاب العرب ومُشاحنات المجتمع المدني!.
وكان للملتقى الأدبي لجامعة حلب في ثمانينيات قرن مضى دور
في نضوج أسماء شعرية جديدة: عبد اللطيف خطاب محمد
فؤاد حسين بن حمزة حسين درويش عمر قدور بسام حسين
لقمان ديركي صلاح داوود.
وفي القصة: عبد الحليم يوسف نضال الصالح أليس الياس
بشار خليلي أحمد عمر، الذي ما إن شارك لأول مرّة حتى
سلّمته راية أقصر قاص سوري معاصر!.
وقد تكون فاتتني أسماء، لكنني لم أستطع إنهاء مقامتي دونما
إطلالة على المشهد التشكيلي في حلب، منذ أقدم فنانيها:
يوسف المصوّر فنان الأيقونة الحلبية المتوفى عام 1660 ميلادية،
وابنه: نعمة المصور، الذي تميّز بدقة التصوير وبنقاء مساحاته
اللونية.
وفي مطالع القرن الماضي برز: نديم نجاش نوبار صباغ غالب
سالم وهبي حريري حزقيال طوروس ألفريد نجاش رولان
خوري.
وتميّز: فاتح المدرس لؤي كيالي سعد يكن يوسف عقيل
شريف محرم وحيد مغاربة سامي برهان اسماعيل
حسني.
وفي النحت: فتحي محمد عبد الرحمن مؤقت وحيد
استنبولي شكيب بشقان زهير دبّاغ جاك وردة.
حيث أقيم أول معرض تشكيلي في حلب عام 1948 ، وتأسست
الجمعية الفنية عام 1950 كأول جمعية تهتم بالتشكيل
والنحت، حتى صارت «أكاديمية ساريان للفنون التشكيلية .»
من تشكيليات حلب: دورا ألتونيان منيرة أبو ريشة ليلى
خانجي.
وعند لوحاتهن.. تقف هذه المقامة لتتأمل لوحة الفسيفساء
التي اقترفتها يداها ، فليس بإمكانها سوى اقتراف الكتابة.