سيف الدولة.. أسدٌ من ورق

حافظ-الأسد

نجم الدين سمّان – الفيحاء نت

جاء سيف الدولة من إمارته في “ميا فارقين” شمال الموصل؛ بعد أن بايعه الحلبيُّون أميراً عليها اتقاءً لِشَرِّ بيزنطة؛ فخرج كلُّ وُجَهَاء حلب لاستقباله؛ نزلوا من على صهوات خيولهم وبِغَالهم لمَّا وصل؛ ونزل قادةُ جيشه أيضاً.. بحسب العادة المُتَبَعة؛ وظلّ سيف الدولة وحدَه على ظهر فرسه؛ فرأى شخصاً واحداً فقط ما يزال راكباً على بغلته البيضاء؛ فسأل عنه.. فَقِيلَ له:
– هذا ابنُ ماثل.. قاضي قضاة حلب؛ وأكثرهم عدالةً ونزاهة.
صاح به سيف الدولة: – يا هذا.. تَرَجَّل لمولاك.
فأجابه ابنُ ماثل:

– وهل رأيتَ العدالة تترجَّلُ.. لتكون عند أذناب الخيل؟!.


ما أن دخل سيف الدولة وقعد على عرش حلب.. حتى كان أولُ فرمانٍ يصدُرُ عنه في الشهباء بعزل قاضي القضاة ابنُ ماثل؛ثمّ عيّن بدلاً منه؛ قاضياً آخر؛ يُسمّيه الحلبيّون: “أبو الحصين”؛ وقد فتك بالعدالة وبالمواثيق كلّها.. لصالح سيف الدولة وحاشيته وعساكره؛ حتى تشكّى منه الحلبيُّون فالتمسوا لدى سيف الدولة أن يَعزِلَه؛ فتذرَّعَ بانشغال دولتِه بالصمود والتصدّي ضدّ البيزنطيين؛ ليفتي أبو الحصين بعدها.. بِمَا لم يسبِق إليه أحدٌ.. قال:

“كلُّ مَن مات.. فلسيفِ الدولةِ ما تَرَك؛ وعلى أبي الحُصين الدَرَك”.


يقصد بالدَرَك: تأميم الأموال والممتلكات لصالح العرش؛ وكأنَّ الضرائب التي يدفعها الحلبيّون لجيش سيف الدولة لم تعد تكفي؛ ولا مُصادَرة أراضيهم وأرزاقهم بحُجَّة التعبأة العامّة؛ ولا كان يكفي قطعُ الغابات ما بين حلب وأنطاكية لصالح عساكره؛ حتى يَرِث سيف الدولة كلَّ حلبيٍّ يموت منهم: حرباً أو سِلماً.. كما في حالة “اللا حرب واللا سِلم”!.
ما كان يكفي الحلبيين أيضاً.. أنَّ أولادَ سيف الدولة وأولاد عمومته.. هُم الولاة والمُتنفِّذون؛ وأنَّ عسكره من المرتزقة كانوا يدخلون دكاكين حلب ويأخذون منها أيّة بضاعةٍ.. حتى لو كانت ذهباً؛ من غير أن يدفعوا درهماً واحداً؛ فإذا اعترض أحدَ الباعة.. نهبوا كلَّ محتويات دُكّانه أو مخزنه.

كان كلُّ دينارٍ مَنَحَهُ سيفُ الدولة أُعطِيَةً.. للمتنبي وللأصفهاني ولزرياب.. ولسواهم؛ قد اجتباهُ من جيوب الحلبيّين.
ومع ذلك خسر سيف الدولة أغلبَ معاركه؛ برغم التشابيه والكنايات والصور الشعرية البارعة التي ابتدعها المتنبي له ولجيشه؛ فقد كان جيشُهُ يتألف من 30 ألف مُقاتلٍ مُحترِفٍ في التشبيح والتعفيش؛ في مقابل 200ألف جندي مُحتَرِفٍ في القتال.. من جيش بيزنطة.!

كان أغلبُ قادةِ جيشِ سيف الدولة من الغُلمَانِ “الشبّيحة” الذين اشتراهم من جيوب أهل ميا فارقين والموصل وحلب؛ وكتيرٌ منهم كان يُعلن نفسَهُ أميراً.. كلّما احتلَّ أحدَ الثغور مع بيزنطة؛ فيُرسل له سيف الدولة من يُؤدِّبُهُ بالاغتيال على طريقة انتحار الإنكشاريين الأسديين.. بخمسِ رصاصاتٍ في الرأس!!.


حتى ابنُ عَمِّه: أبو فراس الحمداني؛ قد تَرَكَه في الأسر سنواتٍ عند بيزنطة؛ لأنه كان يخاف من اكتمال فروسيّتة بالشعر؛ كما بكُرسِيِّ الإمارة!؛ وحين مات سيف الدولة؛ توارَثَ أبناؤه وأبناءُ عمومته الولايات؛ التي صارت دُوَيلاتٍ.. حتى تلاشت واندثرت.
يعرف المتنبيّ بالتأكيد.. بأنّ الاستبدادَ والفسادَ سببان أساسيان في ثالوث سقوط الممالك والجمهوريّات الوراثيّة.
أما السببُ الثالث.. فهو التَعَدِّي على مشاعر الناس الروحيّة والدينية؛ وهذا ما حاوله سيف الدولة في حلب.. بتشجيعه للتشيُّع؛ وبدعمه للإمام الشيعيّ: الخصيبي؛ على حساب أئِمَةِ المذاهب الإسلاميّة السُنِيَّة الأربعة؛ وهو ما فعله حافظ الوحش بذكاءٍ شديد؛ حتى حَلَّ وَرِيثُهُ الهَبِيلُ الطويلُ بشار الوحش مكانَهُ.. فرَهنَ سوريا كلها لِمَلالي إيران!.

لنعرف كيف انسحب حافظ الوحش كيفيّاً.. يوم كان وزيرَ دفاع نكسة حزيران 1967 من الجولان؛ وكيف خسر 12 قرية جولانيّة في حرب تشرين 1973؛ وكيف وصلت إسرائيل إلى “سَعسع” وكادت دمشق أن تسقط لولا الجيش العراقيّ؛ علينا أن نتذكّر قَولَ نزار قباني بعد النكسة:

خازوقٌ.. دُقَّ بأسفلنا / من شرم الشيخ إلى سَعسَع.


ولنعرفَ كيف اتفق حافظ الوحش مع هنري كيسنجر على إخراج مسرحيّة “تحرير القنيطرة” بعد.. تمثيليَّةِ تدميرها المُفتَعَل؛ وكيف وَقَّع معه على كامب ديفيد 2 السورية/ الإسرائيلية السريّة؛ التي ضَمِنَت جبهة الجولان صامتةً.. وما تزال منذ 44 عاماً؛ علينا أن نعرف -على طريقة حسني البورظان- كيف انهزمَ سيف الدولة أمام البيزنطيين 36 مرّة من أصل 40؛ بل إنه أبرمَ أكثرَ من هُدنَةٍ معهم؛ وهرب منهم ثلاثَ مرَّاتٍ إلى مسقط راسه.. بانسحابٍ كَيفِيٍّ أيضاً.
صَدَق المؤرخ الايطاليّ مارك ويتو.. حين قال:

“سيف الدولة.. أسدٌ مصنوعٌ من ورق”.

وسيَصدق أيُّ مُؤرخٍ بعدَه.. حين يقول:

“حافظ الوحش.. أسدٌ من وَرقِ معملِ الورق في دير الزور”!!.

شاهد أيضاً

25465741_1769431926694002_659227264_n-750x563

شهادة مجروحة في شوقي بغدادي.. دَوَّنها: نجم الدين سمّان

نجم الدين سمان – الفيحاء نت لا أعرِفُه إلّا.. شاباً؛ مذ أرسلتُ بالبريد العاديّ.. قصةً …