شكل جديد من “حضن النظام” يولد في أمريكا.. جلسة أنس وفرفشة تجمع مخرجا “ثوريا” بقصي خولي

عندما يسمع السوريون عبارة “العودة إلى حضن النظام” تتبادر إلى أذهانهم فورا صورة شخص أو مجموعة أشخاص يحزمون حقائبهم ويتجهون إلى مطار دمشق ومن هناك يعلنون موقفهم المؤيد لكل طروحات بشار ويجددون فروض الطاعة المقرونة بإبداء الندم على ما بدر منهم.
وحين يسمع السوريون كلمة المصالحات أو التسويات، ينصرف خيالهم إلى مجموعة من حملة السلاح الذين ارتضوا نقل البندقية من كتف إلى كتف، وباتوا مرتزقة تحت راية النظام بعد أن كانوا تحت علم الثورة فترة من الزمن.
لكن العودة إلى حضن النظام والتسوية معه، ليست مقصورة على هاتين الصورتين المباشرتين، فهناك أشكال أخرى لهذين السلوكين الممقوتين من قبل معظم السوريين، معارضين بل وحتى مؤيدين، لأنهما ببساطة سلوكان ينمان عن شخصية مذبذبة لاتقيم للمبادئ (بغض النظر عن ماهية هذه المبادئ) وزنا، وتتعاطى مع الثوابت الكبيرة بميزان المتغيرات التافهة، وبالتالي فإن المتلبس بهذين السلوكين يضع نفسه في مواجهة موجة عارمة من الازدراء والنقد اللاذع.
دعوني هنا أسلط الضوء على شكل غير مألوف من الرجوع إلى حضن النظام والتسوية معه، قص شريطه صانع أفلام كان للثورة فضل كبير في تقديمه إلى العالم، عندما أخرج فيلما وثائقيا بعنوان “آخر الرجال في حلب” ونال عنه كثيرا من الجوائز في مهرجانات سينمائية مختلفة، وما يزال يطمح للمزيد.
ففي تصرف غير مفهوم بات المخرج “فراس فياض” جليسا ونديما للممثل “قصي خولي” المعروف بموالاته الفاقعة للنظام، وبإعلانه التأييد المباشر والواضح لبشار الأسد وجيشه، وبتسفيهه للربيع العربي وحركات المطالبة بالحرية في المنطقة، لأن “الحرية أكبر منا، ونحنا ما منفهم الحرية”، حسب قوله في إحدى المقابلات التلفزيونية.
بدأت قصة تقارب “فياض” و”خولي” في الخفاء، وكان من المقدر أن تبقى طي الكتمان، لولا وسائل التواصل الاجتماعي وما نشره بغاية المباهاة صديق مشترك بينهما يعمل أيضا في مجال “صناعة الأفلام”، ويدعى “عبدالله أصيل”، وهو بالمناسبة سوري، ويقدم نفسه بصفة مناصر للثورة، وله لقطات وهو يحمل علمها.
فقد حرص “أصيل” على نشر ما يعرف باسم “قصص مرئية” ضمن حسابه على “إنستغرام”، وهي قصص لم تلفت انتباه الكثيرين، أولا لأن “أصيل” ليس معروفا إلى تلك الدرجة، وثانيا لأن هذه “القصص” تختفي تلقائيا بعد 24 ساعة من نشرها.
وبين ما نشره “أصيل” مؤخرا أكثر من “قصة” تظهر مدى قربه وانسجامه مع “قصي خولي”، وتكشف أن علاقاتهما ليس رسمية أو عابرة بل “خوش بوش” كما يقول السوريون في كلامهم الدارج، للتدليل على نوع العلاقة التي تربط بين شخصين عندما تسقط بينهما كل الحواجز، ويتقاربان حد الالتصاق.
ففي إحدى القصص يظهر “اصيل” وهو يتمشى مع “خولي” وقد وضع الأخير يده على كتف الأول، وفي هذه الأثناء يلقي أحد المارة التحية على “خولي”، فينبري “أصيل” ليعلق مع ابتسامة عريضة: “يا إلهي شو بيسلموا عليه عالم (ناس) طول مانا ماشيين، الله يطعمنا ربع هالشهرة”، فيضحك “خولي” ويجيب: “تلت أرباعهم عرب”، علما أن الرجلين يعيشان في الولايات المتحدة.
وعلى منوال هذه القصة المصورة، تؤكد قصص أخرى أن العلاقة بين “أصيل” و”خولي” ليست مجرد علاقة عمل أو “كار” بوصفهما ينتميان لنفس المجال، بل هي علاقة تآلف وتجانس من باب “الطيور على أشكالها تقع”، وهي أيضا، حسب ما لدينا من معطيات، علاقة إعجاب وانبهار من قبل “أصيل” بالممثل “خولي”، حتى إن الأول كثيرا ما ينادي الأخير بلقب “أبو عميد” تفخيما له، وتذكيرا بوالده “عميد خولي” الذي كان واحدا من رجال حافظ الأسد المعدودين في ميدان الإعلام المكتوب، وكان الصحافيون في عهده يظنون فعلا أنهم أمام رجل له سلوك ضابط برتبة “عميد” ولا علاقة له بالإعلام، من هول تسلطه.
ويبدو أن “أصيل” استطاع جمع “فراس فياض” و”قصي خولي” ليتحول الثنائي المنسجم إلى ثلاثي شديد التناغم، حسب “قصة مصورة” نشرها “أصيل” أيضا، وفيها يظهر الثلاثة في جلسة “خوش بوش” يتسامرون ويضحكون، ويتصرفون وكأنهم أصدقاء حميمون يعرف أحدهم الآخر منذ صغره.
طبعا وعند هذا الحد، سترتفع أصوات -ارتفعت من قبل في مناسبات مشابهة- لتقول بضرورة فصل السياسة عن الفن، كما طالبت سابقا بفصل السياسة عن الرياضة وعن منتخب الكرة بالذات، وما زالت تلح في مطالب الفصل حتى بعد ورود مئات القرائن التي لم تترك مجالا للشك أن من يلعبون في منتخب النظام ليسوا أكثر من أداة تلميع ودعاية، وللمفارقة فإن معظم هذه القرائن جاءت من طرف النظام نفسه ولم تقدمها “المعارضة”، ومنها استقبال بشار للاعبي المنتخب وإصراره على التوقيع باسمه الشخصي فوق قمصانهم، وتكرار اتحاد الكرة ومسؤوليه عبارات التمجيد لبشار وفخرهم به وتشديدهم على أنه يلعبون باسمه ولأجله.
ولاشك أن مثل هذه الدعوات لفصل السياسة عن الفن أو الرياضة أو الثقافة أو… لاشك أنها دعوات يلزمها في البداية أن تفصل بين المنطق والمغالطات، ذلك أن الضحايا السوريين الذين يعدون بالملايين وعندما يصرون على رفض كل ما يرتبط بالنظام، لا يتعسفون أو يتنطعون، أولا لأن الصراع بين الشعب السوري وبشار ليس مشكلة سياسية، ولو كانت كذلك لأمكن حلها بإعطاء الشعب الثائر حقيبتين وزاريتين أو حتى خمس، وانتهت القصة، لكن الصراع إنساني كينوني (وبمعن أكون أو لا أكون) بأبعاد أخلاقية وقانونية بل وحتى جنائية بمعنى أدق، وهذا البعد الأخير بالذات لايمكن التحايل عليه لأنه يتعلق ببحر من دماء أريقت ومن أموال نهبت ومن كرامات أهينت، وعلاجه الشافي محاسبة المجرم الأكبر والمجرمون المنخرطون معه كل بحسب دوره، ومن بينهم بلا شك المحرضون والمشجعون، حيث لا يمكن أن تجد نصا جنائيا في كل العالم يسمح بإسقاط عقوبة المحرض، أو يدعي أنه ليس شريكا في الجريمة.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن من الإجحاف الذي لا يحتمله عقل أن يتم نعت ما يقوم به بشار ويمارسه بـ”السياسة”، إذ إن كل أفعاله السنوات الأخيرة بالذات ذات طابع حربي إجرامي، إما بوجه مباشر تلخصه أوامر القتل والقصف والاعتقال والتعذيب، وإما بوجه غير مباشر يتعلق بإصدار القوانين والمراسيم الهادفة لصب مزيد من جام القمع والإرهاب والتهجير والإذلال والتدمير والنهب على رؤوس السوريين، فإذا أردنا جدلا أن نفصل بين ما يسمى “السياسة” وغيرها فعلينا بداية أن نعثر على أي فعل سياسي لبشار ونظامه حتى نفصله لاحقا -إن استطعنا- عن الفن والرياضة وسواهما.
وهنا تبدو حالة “فياض” و”خولي” أكثر استعصاء على الفصل، لتلبسها بعدة ظروف، منها أن تقارب “فياض” جاء في خضم زيادة جرعة التشبيح والمجاهرة به من قبل “خولي”، فليس هناك أثارة من دليل أو شبه دليل تقول إن “خولي” تراجع عن موقفه أو حتى راجعه، بل على العكس تماما قام الأخير وفي عز تقاربه مع “فياض” بنشر صور له مع ممثل النظام في الأمم المتحدة والمدافع الأبرز عن جرائمه، ونعني به بشار الجعفري (واحدة منها كان كتف خولي بكتف الجعفري، والأخرى كانت لخولي يجلس على مقربة من الجعفري وكأنهما مسؤولان متساويا الرتبة).
وزيادة في “البلة” الموجودة في “طين” هذا التقارب، فقد نشر “أصيل” قصة مصورة تظهر جلسة أنس و”فرفرشة” من طراز خاص بين “فياض” و”خولي”، لتسقط معها كثير من التبريرات التي يمكن أن نصطدم بها في مثل هذه الموقف، من قبيل أن لقاء الرجلين كان لبحث فرص التعاون والعمل المشترك باعتبارهما أبناء مجال واحد، وباعتبار أن ليس هناك ما يحرم “البزنس” حتى بين الخصوم، مع احتفاظ كل منهما بمواقفه وآرائه.
ولكن الأمر الأكثر حساسية والذي يجعل القضية تستحق كل هذا النقاش برأينا، هو أن “فراس فياض” يمثل شخصية فنية عامة محسوبة على الثورة، فيما يجسد “قصي خولي” شخصية فنية عامة محسوبة على النظام، وليس هذا فحسب بل إن “فياض” أخرج فيلما يعد من بين أميز المنتجات المرئية توثيقا لإجرام النظام وتكذيبا لدعايته عن محاربة الإرهابيين وتجنيب المدنيين، فيما كان “خولي” من “أميز” من دافعوا عن إجرام هذا النظام وعن حقه في هذا الإجرام، كونه مسلطا على الإرهابيين فقط، ولا يمس شعرة من المدنيين.
“وخولي” إذ يدافع بشراسة، فإنما يفعل ذلك ليؤكد لجميع الناس وأولهم مخابرات النظام أنه بالفعل ابن أبيه “عميد”، الذي لا يزال شبح إرهابه ونفسه القمعي مخيما على مبنى جريدة “الثورة” الضخم، رغم أنه غادرها بجسده منذ سنوات طوال.
ويبدو أن “خولي” وهو ما يزال يدافع عن نظامه في سنة 2018، يعتقد أن تمتع الإنسان بلسان “حلس ملس” مع قليل من “الفهلوة” اللفظية، يكفيانه اليوم كما كفيا أباه “عميد” قبل عقود، في إلباس الإجرام الأسود القميء ثوب عروس أبيض غاية في الجمال.
وهذا ديدن “قصي خولي” في مختلف لقاءاته التي أجراها وتصريحاته التي أدلى بها، غير أن أكثرها تعبيرا عن هذا النهج التسطيحي المغرق في استغباء الناس، ما ورد على لسانه حين ظهر قبل سنوات على شاشة “إم بي سي” ليقول: “وقت بلشت الحكومات (العربية) تشوف خاطر شعبها، وحس الغرب أنو نحن وصلنا لمرحلة أنو صار في بداية لتنفس حريات، وتنفس نوع من الرخاء، وتنفس نوع من الوجود، طلعو لنا الربيع العربي… مشروع الحرية أكبر منا، أكبر من طموحاتنا نحن كعرب، نحنا ما منفهم الحرية إطلاقا.. نحن ما عنا ديمقراطية لأنو ما منستاهل الديمقراطية حقيقة، شوفي شو عم يصير حواليك (الجمهور يصفق)… نحن لهلأ عنا ديمقراطية بتقول لك إنو أي معليش أنا بدي زت الزيالة من البلكون أطرشها بالأض”، وللناس أن تتصور عمق و”نظافة” تفكير وتحليل شخص يربط الديمقرطية بالزبالة.
وحتى لايمر اللقاء المطول دون أن يقدم “خولي” ما حضر لأجله، فقد تكبد عناء إقحام كلمات التعبير عن ولائه لبشار وجيشه، من دون أن يكون هناك أي سياق لكلامه، بل إنه قفز بعد الحديث عن علاقة الزبالة بالديمقراطية وعن الفساد والتجاوزات، ليقول وبشكل مباغت: “أنا مع الدولة السورية، أنا مع الجيش العربي السوري.. أنا مع الانتخابات الي صارت الي انتخبت رئيس الي هو حاليا”.
وهذه فقط مجرد عينة بسيطة من مواقف وآراء “خولي” التي لا يخجل من التصريح بها علنا، والتي جعلت منه “فنانا وطنيا” في عيون الموالين، ويفترض أنها خلاف الآراء التي يحملها ويصرح بها “فياض”، ما جعله شخصا يستحق كل مفردات التخوين والتحقير لدى مؤيدي النظام.
ولأجل هذه الاعتبارات وغيرها، يصعب كثيرا أن نأخذ تقارب “فياض” مع أحد أشد موالي النظام، من باب التصرف الفردي أو الحرية الشخصية، علما أن لكل فرد في النهاية حرية لا يمكن لأحد مصادرتها، هذا عندما يكون حضوره وتصريحاته ونشاطاته باسمه الشخصي دائما، لا تحت يافطة مؤسسة أو حزب أو جماعة، فما بالك بثورة جامعة بحجم الثورة السورية.
وختاما، فكما إن مذهب التطرف في التخوين والتفسيق والطرد من الثورة ينبغي أن يكون مرفوضا لأنه ببساطة يتنافى مع روحها، فإن مذهب تمييع المواقف وتسويغها بقوالب لفظية جاهزة (ما بيأثر، تصرف فردي، حرية شخصية، زلة عابرة…) يجب أن يكون منبوذا، لأن منطق الأمور يقول إن الثورة إنما قامت لتصحيح أخطاء راكمتها الأجيال السابقة ومررتها تحت ستار “غلطة صغيرة، شو عليه، ما خربت الدنيا”، حتى وجدنا أنفسنا غارقين في مستنقع من الأخطاء حول دنيانا إلى خراب، بات يستحيل الخروج منه سوى بثورة عامة عارمة.. وهذا ما حدث.

شاهد أيضاً

فرنسا: بقاء بشار الأسد في السلطة غير واقعي

قالت الناطقة باسم الخارجية الفرنسية، “آنييس فان دور مول”، في بيان صحفي صدر عنها اليوم …