شهادات سجينات سوريات… ممسرحة وموثقة تلفزيونياً

نقل المخرج المسرحي السوري رمزي شقير شهادات بعض السجينات السوريات المعارضات إلى المسرح، ولأهميتها قام التلفزيون الفرنسي بتوثيقها تلفزيونياً، فأصبح بذلك مُشاهد برنامج «درعا الناجين والناجيات» أمام حياتين؛ واحدة على المسرح وأخرى واقعية. الأولى تابعها الوثائقي عبر نقل مقاطع من المسرحية على الشاشة بكل أبعادها الدرامية وبقوة التعبير المؤثرة لممثلات هن من مررن بتجربة السجن وفيه تلقيّن أشد أنواع العذاب، وهن من يَقمن بتجسيدها فوق خشبته. أما الثانية فحضرت عبر متابعة كاميرات البرنامج لبعض جوانب حياتهن في المنفى وكيف ما زالت تؤثر تجربة السجن المريرة فيهن، على رغم وجودهن خارج أسواره اليوم. وثائق وبرامج كثيرة عرضت الموضوع السوري، ومنها نُقل إلى المسرح وباللغة العربية، ومن هنا اكتسب البرنامج المعروض على قناة «آرتي» فرادته واغتنى بعمق حوارات نساء تمتعن بثقافة سياسية وعرفن معنى أن تكون المُعارضِة السياسية سجينة بسبب مواقفها.

يعرض المخرج المسرحي تفاصيل عن طريقة تعرفه إلى السجينات وإقناعه لبعضهن بالوقوف أمام الجمهور وجهاً لوجه. «هي حكايات نساء سوريات شجاعات، ما زلن على قيد الحياة، قُيدت حريتهن في بلدهن لمواقفهن السياسية والاجتماعية، وتعرضن للسجن بسببها، لهذا أردن أن يَقمن هن أنفسهن بسردها للجمهور».

يجمع الوثائقي بين الصورة الحية للمدينة والحياة اليومية للممثلات فيها وبين قصصهن المنقولة إلى جمهور المسرح. كل واحدة منها تحكي تجربتها كما تحكي لمُشاهد التلفزيون تفاصيل حقيقية عنها، مثل «هند» السجينة السياسية الأولى التي نقلت إلى سجن المدنيين العاديين بعد مرور أكثر من أربع سنوات على وجودها في سجن مخصص للسياسيين. «خفت أول الأمر وتساءلت كيف لي أنا السجينة السياسية بمقابلة سجينات عاديات؟». بعد مدة ستدرك المعنى الإنساني الجامع بين تجربتها ومطالبها بالحرية وبين بقية السجينات السوريات، وستظل تحمل ذكريات طيبة عنها ما زالت حية على رغم بعدها عن بلادها وعن السجن الذي جمعها بهن.

قصة «آيات» وإحساسها بالبرد الذي نخر عظامها في السجن مؤلمة. «كلما اشتد البرد في الخارج تذكرت رفيقة سجن الفيحاء «منال» وكيف كانت ترعاني بعد كل جولة من جولات التعذيب والتحقيق. أتذكر كيف كانت تحضر لي الماء وبعض الطعام وتضمد جراحي». فيما ترى «مريم» في تجربتها محاولة لإطلاع العالم على ما جرى لهن وحتى لا تُنسى تضحيات المدنيين السلميين. «الإعلام في غالبيته يركز اليوم على النظام وداعش. أين أولئك من المدنيين الذين قاموا بالثورة؟ أين الشهداء، أين هؤلاء المختفية أخبارهم في سجن تدمر… أين أين؟». في بيوت بعضهن وفي لقاءاتهن تعبر أحاديثهن عن شجون وذكريات وأحلام بعضها خاب وبعضها متفهم أسباب انحسار الحراك، فيما يسود الشعور بالرضى من تقديم تجاربهن للجمهور بصفتهن «شهوداً أحياء» على ماضٍ لا بد للأجيال الجديدة من السوريين الاطلاع عليه ومعرفة ما جرى للناس فيه.

تجسد تفاصيل ما ينقله الوثائقي التلفزيوني الإحساس القوي عند السجينات بوجود السجن داخلهن وبقاء تفاصيله الدقيقة في ذاكرتهن، على رغم انقضاء مدة طويلة نسيباً على خروجهن منه. كلامهن أمام الكاميرا يعود دوماً إليه وإلى أيامه التي يبدو أنها لن تُنسى ولن ينساها السجين طيلة حياته، والغريب أنه يضمر معها شعوراً بالحرية يبدو متناقضاً لكن أحاديث غالبيتهم أكدت تلك الحقيقة! ففي السجن يتعرف الإنسان إلى ذاته وتصبح ذاكرته مصدر قوته وصور «هند» الفوتوغرافية المسربة من السجن تحكي جانباً منها. «صورتي خلف قضبان الزنزانة، ترمز لحياتي كلها، لحياة السوريين كلهم. فهم في سجن كبير، سواء مروا بتجربته أم لا. فقدان الحرية يعني السجن!».

لا تخلو أحاديث السجينات من جوانب شخصية ومرارات عما وصل إليه الوضع في سورية، لكنهن يجتمعن على حقيقة توصلن إليها عبر تجربتهن المسرحية تقول: «البوح أمام جمهور لا يعرفك ولا يعرف قضيتك يمدك بقوة داخلية وعزيمة على قول الحقيقة ونقل كل ما جرى في سورية إليه». حكين في لحظات الاسترخاء عن قوة الأمل والحلم بمستقبل أفضل، والعزم على مواصلة الحلم على رغم ذكريات السجن الحزينة.

شاهد أيضاً

تجار مخدرات ومجرمون لبنانيون يقيمون في منتجعات طرطوس هرباً من السجن

دخل عشرات المطلوبين في منطقة البقاع الواقعة شرقي لبنان إلى سوريا، مع بدء تنفيذ الجيش …