صحيفة أمريكية.. لا حل في سوريا إلا بنزع فتيل قنبلة الديموغرافيا

afp_syrian_refugee_children_zaatari_jordan_540721_large_2

  • أورينت نت – أحمد الشهابي

يعد ملف اللاجئين السوريين، البالغ عددهم أكثر من 11 مليوناً والذين تم تهجيرهم من قبل نظام الأسد، من أعقد الملفات وبنفس الوقت هو الملف الوحيد تقريباً الذي لم يفتح حتى الآن في مباحثات جنيف، ومن المتوقع بحسب محللين أن يفجر هذا الملف خلافات كبيرة، حيث أن هؤلاء المهجرين/اللاجئين من المذهب السُني ولن يُسمح لهم بالعودة بتلك السهولة، ولهذا السبب يعتقد “طارق عثمان” في مقال تحليلي بصحيفة “فورين أفيرز” الأمريكية ترجمته أورينت نت، أن خطة الأسد الديموغرافية تجعل العودة لسوريا ما قبل 2011 أمراً مستحيلاً.

خطة الأسد
منذ انطلاق الثورة السورية تعددت المؤتمرات والاجتماعات تحت شعار “ضمان السلام في سوريا”، وجرت المحاولة الأخيرة على ‏هامش قمة مجموعة العشرين في هامبورغ، حيث ناقش الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” مع نظيره الروسي “‏فلاديمير بوتين” اتفاقاً بين بلديهما، وكان من المأمول أن ينعش اتفاقهما محادثات السلام السورية في جنيف ‏وأستانا المستمرة منذ أكثر من عامين، بيد أن تلك المناقشة وكل الجهود الأخيرة الرامية إلى إنهاء “الصراع ‏في سوريا” بنيت على أساس افتراض خاطئ يرتكز على إعادة سوريا إلى تركيبتها السياسية قبل ‏‏2011، وهذا أصبح مستحيلاً بسبب تلاعب الأسد بالتركيبة الديموغرافية بحيث جعلت خطته العودة إلى ما قبل 2011 أمراً صعب المنال.

ويشرح عثمان أن الحرب غيرت ‏التركيبة السكانية جذرياً في سوريا، فعلى مدى ‏السنوات الثلاثة الماضية، خفَّض نظام الأسد وحلفاؤه بنجاح وجود السُنة في المناطق الأقرب إلى المراكز ‏الحضرية الكبيرة، ولا سيما في دمشق والساحل، حيث المسيحيون والطائفة العلوية (التي تنتمي إليها عائلة ‏الأسد) لهم وجود كبير وحيث يكمن الجزء الأكبر من التجارة في البلاد.. للمزيد عن جرائم التغيير الديموغرافي اضغط هنا

قصف ودمار.. لكن الطريق مفتوح!
لم تكن عمليات النظام ‏وحلفائه تهدف إلى قتل أهل السُنة، بل تحفيزهم على المغادرة، ولم يكن من قبيل المصادفة أن الطرق المؤدية إلى ‏الأردن ولبنان ظلت آمنة تماما على مدى السنوات القليلة الماضية.
كان هدف نظام الأسد تخفيض نسبة السكان السُنة مقارنة بما قبل 2011، بعد أن رأى الأسد أن العديد من الأقليات تدعم نظامه ‏لأنهم يعتقدون أنه فقط يؤمن الحماية لهم، بيد أن هذا هو العامل الجديد الذي يجعل العودة إلى ما قبل “الحرب” ‏في سوريا أمراً مستحيلاً.‏

السُنة في سوريا بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية ‏
اقتُطعت سوريا الحديثة، التي ظهرت بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية في عشرينيات القرن الماضي، من ‏سوريا الكبرى وشرق بلاد الشام، كما ولدت الجمهورية اللبنانية والمملكة الأردنية.
سيطر ‏السُنة على المراكز الحضرية الكبيرة في سوريا، وخصوصاً في دمشق مما جعل المجتمعات السنية في لبنان ‏ترغب بالاتحاد مع الجمهورية التي كانت دمشق مقرها. كانت سوريا مركز العرب السُنة في ‏بلاد الشام، بالنسبة إليهم، وبنفس المكيال كان جبل لبنان ملاذاً للمسيحيين الموارنة والدروز من أبناء تلك المنطقة، ولكن ‏هذا الاتحاد لم يبصر النور، فالتسوية السياسية في لبنان وفشل الهاشميين في تأمين مملكة في سوريا عززا ‏التركيبة الاجتماعية للدول الجديدة.‏

حكم الرجل الواحد
انحدرت الجمهورية السورية التي تم إنشاؤها حديثاً بسرعة إلى عهد طويل من الاضطرابات السياسية ‏والانقلابات العسكرية منذ أواخر الأربعينيات إلى أوائل السبعينيات، إلا أن الانقلاب الذي قاده حافظ الأسد، ‏والد بشار، كُتب له الاستمرار على حساب موت المعارضة السياسية.
وتحت حكم الرجل الواحد، أباد الدكتاتور حافظ ‏الأسد كل مجموعة يمكن أن تنافسه على السلطة، وفي وقت لاحق، تطور حكمه إلى شأن أسري، واستثمر الدعم ‏من خلال تشكيل كادر من المقربين معظمهم من الطائفة العلوية، مبرزاً واجهة القومية العربية العلمانية ‏غطاءً له.‏. للمزيد عن دور الميليشيات الطائفية اضغط هنا

الثورة كشفت المستور
حولت “حرب” السنوات الست الماضية الصورة التي حاول الأسد رسمها إلى ركام؛ فالدعم العسكري الإيراني لدمشق والنفوذ السياسي ‏لطهران في سوريا جعل من المستحيل على نظام الأسد استدعاء العروبة لترسيخ شرعيته وإخفاء الهيمنة ‏الطائفية الصارخة للأقلية العلوية على الأغلبية السنية.
كشفت الحرب في سوريا كل المستور، تاركة ‏السُنة دون أي أوهام متعلقة بطبيعة نظام الأسد، الجزر والعصي والعنف والقمع الوحشي يمكن أن يجعل ‏الحيلة تنطلي على البعض، ولكن هذه الحيلة لن تدوم.‏

حكم الأقلية يعني التبعية
إن العودة إلى ما قبل 2011 سيكون مكلفاً أيضاً، فحكم الأقلية وتركيز القوة الاقتصادية في المكون العلوي ‏سيؤدي بدوره إلى ضعف عملية صنع القرار الاقتصادي ويولد الفساد، وهذا يعني استنزافاً حتمياً لاقتصاد ‏أي بلد، إلا إذا أوتي ذاك البلد الموارد الطبيعية الهائلة والتي لا تمتلكها سوريا. وهذا يعني أن دمشق سوف ‏تعتمد دائماً على الدعم من قوى خارجية مثل إيران وروسيا، اللتين تواجهان تحديات داخلية ومشاكل ‏اقتصادية بسبب انخفاض عائدات النفط.‏

لماذا ستفشل استراتيجية النظام؟
وفي ضوء ذلك، فإن استراتيجية نظام الأسد تصبح أكثر وضوحاً؛ فتغيير التركيبة السكانية الديموغرافية ‏بطريقة مصطنعة في البلاد عن طريق الحد من حجم الأغلبية السنية تبدو كما لو أنها أفضل ما يقوم به نظام ‏الأسد في تهيئة الظروف لجعل حكم الأقلية أكثر استدامة.

في الواقع، هذه استراتيجية قصيرة النظر لأنها لن ‏تدوم، فنسبة كبيرة من المكونات الاجتماعية والاقتصادية السورية المختلفة تلقي اللوم على نظام الأسد في ‏مقتل مئات الآلاف من السوريين بالإضافة إلى تشريد الملايين منهم، هذه المشاعر العميقة سوف تغذي ‏الغضب على نطاق واسع لسنوات قادمة. وسوف تعيق الهوية السُنية التاريخية لسوريا استراتيجية الأسد ‏تلك.
الغالبية السنية المتبقية لن تقبل أبداً بتعديل السمة الرئيسية في البلاد التي حددت مواقعها في المنطقة، ‏وإذا عاد بعض من ملايين اللاجئين السوريين الموجودين الآن في الأردن ولبنان وتركيا إلى سوريا (وهو سيناريو محتمل، ‏نظراً للظروف الاقتصادية الصعبة التي يتحملونها في تلك البلدان، حيث بدأت أيضاً موجات من اللاجئين ‏بالعودة من لبنان إلى المناطق التي تم إعلان وقف إطلاق النار فيها)، فلن يقبلوا أيضاً الهوية اللا‏تاريخية التي يحاول النظام خلقها‎.‎

لاحل بدون إفشال التغيير الديموغرافي
لكي تكون محادثات السلام فعالة، يجب على جميع الأطراف أن تنظر بجدية إلى التغيير الهندسي ‏الديموغرافي الذي يجريه الأسد في سوريا وتسعى لوقفه.
هناك نوعان من الحوافز التي تمتلكها روسيا ‏لكي تضغط على نظام الأسد للقيام بذلك. أولاً، إيقاف التغيير الديموغرافي لن يهدد قبضة الأسد على السلطة ‏وقد كفل التدخل العسكري الروسي في سوريا بقاء نظامه على المدى القصير والمتوسط.
ثانياً، روسيا تريد ‏حلاً سياسياً، ولكي يحدث ذلك الحل، يجب أن يشعر نظام الأسد ببعض الضغوط للانخراط بجدية في العملية ‏السياسية ولا سيما أن الوضع الاجتماعي لا يميل لصالحه‎.‎‏

يجب على اللاعبين الدوليين الآخرين، وعلى رأسهم الولايات المتحدة وأوروبا، ربط دعمهم للسلام مع ‏وضع حد للتغيير الديموغرافي الذي يقوم به نظام الأسد، فنفوذهم يأتي من حقيقة كونهم الممولين الرئيسيين ‏لمعظم جهود إعادة الإعمار والتنمية التي من المتوقع أن تتبع أي وقف إطلاق نار دائم في سوريا، وهنا، ‏يجب على واشنطن وبروكسل أن توضحا أن دعمها المالي والاستشاري في سوريا مشروط.
وإذا لم يتم ‏التصدي لما يقوم به الأسد من تغيير ديموغرافي جذري في سوريا، ربما تتوقف “الحرب” في المدى ‏القصير، ولكن لن تكون هناك أي اتفاقية دائمة، عاجلاً أو آجلاً، ستجدد عودة اللاجئين والنازحين السوريين، ورغبتهم ‏العارمة في الانتقام من نظام الأسد ناهيك عن الضغوط الداخلية من الجماعات التي تشعر بأن إرثها قد سلب أو أي ‏مزيج من هذه العوامل، دوامة الصراع وتعيد سوريا إلى “حرب” مدمرة أخرى.‏

شاهد أيضاً

هجرهم وصادر أملاكهم.. الأسد يطبق قراراً غير القانون 10

يلجأ نظام بشار الأسد إلى قانون مكافحة الإرهاب الأقل شهرة بين القوانين التي سُنَت في …