طائرات شركة رامي مخلوف تنقلهم بسرية.. تحقيق يكشف كيف تُرسل روسيا المرتزقة لدعم الأسد

collage_121

كشف تحقيق لوكالة رويترز عن تفاصيل كثيرة لكيفية نقل متعاقدين روس (مرتزقة) إلى سوريا، لمساندة نظام بشار الأسد الذي يعتمد عليهم بشكل كبير، وأظهر التحقيق الدور الواسع الذي تقوم به شركة “أجنحة الشام” للطيران المملوكة لرامي مخلوف ابن خال الأسد في عملية نقل العسكريين.

وبدأ تحقيق الوكالة بالحديث عن 130 رجلاً كانوا ينتظرون في ركن منزو بصالة المغادرة في مطار روستوف جنوب روسيا، واصطفوا أمام أربعة مكاتب لفحص أوراق السفر، وكانوا يحمل كثير منهم حقائب مكدسة شبيهة بالحقائب التي يحملها الجنود، ووقف هؤلاء تحت شاشات لم تظهر عليها أي أرقام للرحلات الجوية أو وجهات السفر.

وعندما سأل أحد مراسلي رويترز الرجال عن وجهتهم، قال أحدهم: “وقعنا على ورقة.. لا يُسمح لنا بالحديث. في أي لحظة سيأتي المدير ونواجه مشكلة”، وأضاف محذراً: “وأنت أيضاً”.

وتحدثت الوكالة أنه عندما طائرة وصلت للتو من العاصمة السورية دمشق في مطار روستوف، نزل منها نحو 30 رجلاً، وكان معظمهم يرتدي الزي المموه وأحذية الصحراء الكاكي. وبعضهم يحمل حقائب من السوق الحرة في مطار دمشق.

طائرات مدنية

وكشف تحقيق رويترز عن شبكات الدعم اللوجستي لقوات نظام بشار الأسد، وقال إن هؤلاء الرجال متعاقدون عسكريون روس، وهم أحدث مجموعة يتم نقلهم ضمن رحلات جوية سرية باستخدام طائرات مدنية لنقل الدعم العسكري للأسد، ومساندته في معاركه منذ سبع سنوات ضد المعارضة السورية.

ولم تكن الطائرة الإيرباص التي نقلت هؤلاء سوى واحدة من عشرات الطائرات التي كانت في السابق مملوكة لشركات طيران أوروبية وأمريكية، ثم جرى نقلها عبر شبكة من الشركات الوسيطة إلى شركات طيران شرق أوسطية تخضع لعقوبات الولايات المتحدة، وهي تحركات تقول واشنطن إنها تساعد نظام الأسد في تجاوز العقوبات.

تورط رامي مخلوف

والرحلات الجوية من وإلى روستوف، والتي لم توثقها أي منظمة من قبل، يجري تشغيلها من قبل شركة “أجنحة الشام”، وهي شركة طيران سورية فُرضت عليها عقوبات أمريكية عام 2016 بزعم أنها تنقل مقاتلين موالين للأسد إلى سوريا وتساعد المخابرات العسكرية للأسد على نقل أسلحة ومعدات. ويمتلك شركة الطيران هذه رامي مخلوف.

ولا تظهر الرحلات، التي غالباً ما تهبط في ساعات متأخرة من الليل، في جداول الرحلات الجوية بالمطارات، وتقلع من دمشق أو من مدينة اللاذقية التي تضم قاعدة عسكرية روسية.

وتكشف العملية الثغرات في نظام العقوبات الأمريكية الذي يستهدف حرمان الأسد وحلفائه في “الحرس الثوري” الإيراني، وميليشيا “حزب الله” اللبنانية من الرجال والعتاد الذي يحتاجونه لحملتهم العسكرية.

كما تقدم صورة عن الأساليب المستخدمة لإرسال متعاقدين عسكريين روس إلى سوريا، وهو أمر يصر الكرملين على إنكاره تماماً، حيث يقول مسؤولون روس إن “وجود موسكو في سوريا يقتصر على الضربات الجوية وتدريب القوات السورية وأعداد محدودة من جنود القوات الخاصة”، حسب زعمها.

وقال مقاول عسكري روسي خاص شارك في أربع مهمات إلى سوريا، إنه وصل إلى هناك على متن طائرة تابعة لشركة “أجنحة الشام” من روستوف، وأضاف الرجل الذي طلب الاكتفاء بذكر اسمه الأول فلاديمير إن الرحلات كانت المسار الرئيسي لنقل المتعاقدين.

وأشار إلى أن أن المتعاقدين يستخدمون أحيانا الطائرات العسكرية الروسية، عندما لا تستوعب طائرات “أجنحة الشام” أعدادهم بالكامل.

رحلات غير مسجلة

وذكرت وكالة رويترز، أن مراسليها راقبوا في مطار روستوف وسجلوا الرحلات غير العادية باستخدام بيانات تتبع الطيران المتاحة للجمهور، وبحثوا في سجلات ملكية الطائرات وأجروا عشرات المقابلات، منها مقابلة بأحد المطاعم الفاخرة مع ميجر سابق بالبحرية السوفيتية أدرجت الحكومة الأمريكية اسمه على القائمة السوداء.

ولفتت الوكالة إلى أنها لم تحظَ برد رسمي من الحكومة الروسية أو حكومة الأسد على أسئلة متعلقة بإرسال متعاقدين روس إلى سوريا، في حين أن شركة رامي مخلوف اكتفت بالقول إن المعلومات عن وجهات رحلاتها متاحة في موقعها على الإنترنت.

ولا يرد ذكر الرحلات إلى روستوف على الموقع الإلكتروني، لكن الرحلات تظهر في قواعد بيانات تتبع الرحلات على الإنترنت.

وتتبع مراسلو الوكالة الرحلات الجوية بين مطار روستوف وسوريا من 5 يناير/ كانون الثاني 2017، إلى 11 مارس/ آذار 2018، وخلال تلك الفترة، سيّرت شركة “أجنحة الشام” 51 رحلة ذهاب وعودة، مستخدمة في كل مرة طائرات إيرباص إيه 320 التي يمكن أن تقل ما يصل إلى 180 راكباً.

التفاف على العقوبات

ومن أجل الحفاظ على حملته العسكرية ضد مسلحي المعارضة، يحتاج الأسد وحلفاؤه روسيا وإيران وميليشيا “حزب الله” إلى الطائرات المدنية لإدخال الرجال والإمدادات.

وحاولت واشنطن حرمانهم من ذلك من خلال فرض قيود تصدير على سوريا وإيران تجسدت في إدراج وزارة الخزانة شركات الطيران في البلدين على القائمة السوداء. كما أدرجت الوزارة في القائمة عدة شركات خارج سوريا متهمة إياها بلعب دور الوسيط.

وفي السنوات الأخيرة جرى تسجيل عشرات الطائرات في أوكرانيا ضمن شركتين هما خورس ودارت، اللتان أسسهما قائد سابق بالبحرية السوفيتية واثنان من رفاقه العسكريين السابقين.

وأفادت بيانات تتبع الرحلات الجوية أن هذه الطائرات بيعت أو استؤجرت بعد ذلك وانتهى بها الأمر للعمل في شركات طيران إيرانية وسورية.

وسبق أن فرضت وزارة التجارة الأمريكية عقوبات على شركة خورس، وعلى سيرجي تومتشاني، وهو قائد سابق بالبحرية منذ عام 2011، فيما يتصل بمزاعم تصدير طائرات لإيران وسوريا دون الحصول على ترخيص من واشنطن.

وأفادت المعلومات التي جمعتها رويترز من سجلات الطائرات الوطنية أنه في السنوات السبع الماضية، تمكنت خورس ودارت من الحصول على 84 طائرة مستعملة من طراز إيرباص وبوينج أو استئجارها عن طريق نقل الطائرات عبر كيانات لا تشملها العقوبات.

وتفيد بيانات من ثلاثة مواقع تتبع رحلات الطيران، وتظهر مسارات الطيران ونداءات الاتصال للشركات التي تشغلها، أنه من بين هذه الطائرات جرى استخدام ما لا يقل عن 40 طائرة في إيران وسوريا والعراق.

وفي سبتمبر/ أيلول، أضافت وزارة الخزانة الأمريكية شركتي خورس ودارت إلى القائمة السوداء للعقوبات، قائلة إنهما تساعدان شركات الطيران الواقعة تحت طائلة العقوبات على شراء الطائرات الأمريكية الصنع، فيما نفت الشركتان وكذلك تومتشاني ارتكاب أي مخالفات تتعلق بتزويد طائرات إلى كيانات خاضعة للعقوبات.

وأظهرت تواريخ ملكية بعض الطائرات التي تتبعتها رويترز كيف يمكن تجاوز القيود التي تفرضها الولايات المتحدة على الإمدادات لشركات الطيران الإيرانية والسورية. وبينما تنتقل الملكية من بلد إلى آخر، تخفي الأدلة الورقية المعقدة هوية الأطراف الضالعة في شراء سوريا للطائرات.

ووفقا لسجل الطائرات الأيرلندي فإن إحدى طائرات “أجنحة الشام” وهي من طراز إيرباص إيه 320، قامت بالرحلة من روستوف إلى سوريا، مملوكة لشركة (آي إل إف سي أيرلندا) المحدودة، وهي شركة تابعة لشركة إيركاب ومقرها دبلن، وهي واحدة من أكبر شركات تأجير الطائرات في العالم.

وقال متحدث باسم هيئة الطيران الايرلندية التي تدير السجل إن الطائرة حذفت من السجل الايرلندي في يناير/ كانون الثاني 2015. وخلال الشهرين التاليين، اختفت الطائرة، التي كانت تحمل رقم التعريف (إي.أي-دي.إكس واي) من سجلات وطنية قبل أن تظهر في سجل الطائرات في أوكرانيا.

وقال أربعة محامين متخصصين في قواعد التصدير الأمريكية، إن الصفقات التي تشمل طائرات ينتهي بها الأمر في إيران أو سوريا تنطوي على مخاطر كبيرة للشركات الغربية التي تورد الطائرات أو المعدات. وأضافوا أنه حتى لو لم تكن لديهم تعاملات مباشرة مع كيان تحت طائلة العقوبات، فإن الشركات التي تقدم الطائرات يمكن أن تواجه عقوبات أو قيودا تفرضها الحكومة الأمريكية.

رحلات إلى مناطق حرب

وأشارت وكالة رويترز إلى أنها عندما أرسلت سلسلة من الأسئلة إلى شركتي خورس، ودارت، حول أنشطتهما، اتصل تومتشاني الميجر السابق بالبحرية، بمراسلة الوكالة في غضون دقائق، وقال إنه لم يعد مساهما في أي من الشركتين، لكنه يعمل مستشارا لهما وإن الأسئلة أحيلت إليه.

ودعا تومتشاني المراسلة للقاء في اليوم التالي في مطعم فيلور الراقي في كييف، وخلال الاجتماع الذي استمر 90 دقيقة، نفى تومتشاني تقديم طائرات إلى إيران أو سوريا.

وكانت خورس تنقل شحنات بضائع إلى أنجولا لصالح الحكومة الأنجولية ووزارة الدفاع ووكالات الإغاثة خلال حربها الأهلية. وقال تومتشاني إن شركاته قامت أيضا بتشغيل رحلات جوية في العراق بعد الغزو الذي قادته الولايات المتحدة في عام 2003، حيث قامت بنقل متعاقدين أمنيين خصوصيين.

وأظهر سجل الأعمال الأوكراني أن تومتشاني لم يعد أحد المساهمين في خورس بعد يونيو/ حزيران 2010 وأنه تخلى عن اهتمامه بشركة دارت في مرحلة ما بعد أبريل/ نيسان 2011. وقال لرويترز إنه باع حصته إلى “رجال أعمال كبار” لكنه امتنع عن ذكر أسمائهم.

وأشارت رويترز إلى أنها لم تجد دليلاً على وجود أي صلة أخرى بين التجارة في الطائرات وجهاز المخابرات في أوكرانيا. وقالت المخابرات العسكرية الأوكرانية إنها لا تعلم بإمداد سوريا بطائرات ولا صلة

المتعاقدون يعودون في صناديق

ورغم أن موسكو تنفي إرسال متعاقدين عسكريين إلى سوريا، إلا أن الكثير من الناس يقولون إن ذلك غير صحيح. ومن بين هؤلاء عشرات من الأصدقاء وزملاء سابقون للمقاتلين وأفراد مرتبطون بالشركة التي تجند الرجال، وهي منظمة غامضة تعرف باسم “فاغنر” لا تملك أي مكاتب ولا حتى لوحة نحاسية على أي باب.

ويقول أشخاص أجريت معهم مقابلات خلال تحقيق رويترز، إن مؤسس هذه المنظمة هو ديمتري أوتكين، وهو ضابط سابق في المخابرات العسكرية. وكان أول دور قتالي للمنظمة في شرق أوكرانيا إلى جانب الانفصاليين الذين تدعمهم موسكو.

وقال يفجيني شاباييف، وهو زعيم محلي لمنظمة شبه عسكرية في روسيا على اتصال مع بعض الرجال، إن “روسيا لديها ما بين 2000 و3000 متعاقد يقاتلون في سوريا”.

وفي معركة واحدة في فبراير/ شباط من هذا العام، قُتل أو جرح نحو 300 متعاقد، حسبما أفاد طبيب عسكري ومصادر أخرى على علم بالأمر.

ونوهت وكالة رويترز إلى أنها لم تتمكن من تحديد عدد الركاب الذين نقلوا بين روسيا وسوريا، ومن المحتمل أن بعض من كانوا على متن الرحلات لم يلعبوا أدوارا قتالية في سوريا. وقد يكون البعض نزل في دمشق ثم أقلع إلى وجهات أخرى خارج سوريا.

وتشير المقابلات التي أجريت مع أقارب متعاقدين قتلوا في سوريا إلى أن رحلات الطائرات إيه 320 إلى روستوف، تستخدم لنقل متعاقدين عسكريين روس.

وقالت أرملة أحد المتعاقدين الذين قُتلوا في سوريا إن آخر مرة تحدثت فيها إلى زوجها عبر الهاتف كانت في 21 يناير/ كانون الثاني من العام الماضي، وهو اليوم ذاته الذي سافرت فيه طائرة مستأجرة تتبع “أجنحة الشام” إلى سوريا وفقا لبيانات تتبع رحلات الطيران.

وأضافت أنه بعد أن قتل سُلمت جثته إلى روسيا. وحصلت على شهادة وفاة تفيد أنه مات بسبب “نزيف حاد ناجم عن شظايا وجروح من طلقات رصاص”.

ووصفت أرملتا متعاقدين آخرين قُتلا في سوريا كيف وصلت جثتا زوجيهما إلى ديارهما. ومثل الأرملة الأولى، تحدثت المرأتان بشرط عدم نشر اسميهما. وقالتا إن ممثلي المنظمة التي جندت زوجيهما حذروهما من العواقب إذا تحدثتا مع وسائل الإعلام.

وقالتا إن المتعاقدين سبق لهما الذهاب في مهمات قتالية، وأضافتا أنهما حصلتا على شهادتي وفاة تفيدان بأن مكان الوفاة هو سوريا.

وكُتبت على إحدى الشهادتين أن سبب الوفاة هو “تفحم الجسم” بمعنى أنه احترق حتى الموت. بينما أفادت الشهادة الثانية أن المتعاقد نزف حتى الموت من عدة جراح بسبب شظايا.

ووصفت إحدى الأرملتين محادثات مع زوجها بعد عودته من أول مهمة له في سوريا. وقال لها إن المتعاقدين الروس غالبا ما يرسلون إلى المناطق التي يحتدم فيها القتال ويكونون أول من يدخل البلدات التي تتم السيطرة عليها. ثم تدخل قوات الأسد إلى البلدة وترفع العلم السوري وتنسب النصر لنفسها.

قضية حساسة

وتُعد الخسائر العسكرية في صفوف الجيش الروسي قضية حساسة في روسيا، حيث لا تزال ذكريات العمليات في الشيشان وأفغانستان التي استمرت سنوات حاضرة في الأذهان.

ويشتبه أصدقاء وأقارب المتعاقدين في أن موسكو تستخدم مقاتلين بشكل خاص في سوريا لأنها بهذه الطريقة تستطيع نشر مزيد من الأفراد على الأرض دون المخاطرة بأرواح الجنود النظاميين الذين يتعين رصد وإعلان وفياتهم.

وكانت السلطات الروسية، قالت في وقت سابق إن 44 من الجنود الروس قتلوا في سوريا منذ بدء العملية هناك في سبتمبر/ أيلول 2015، فيما ذكرت رويترز استناداً إلى تقارير من عائلات وأصدقاء القتلى ومسؤولين محليين، أن 40 متعاقداً خاصاً على الأقل قتلوا بين يناير/ كانون الثاني، وأغسطس/ آب 2017 فحسب.

شاهد أيضاً

سوريون يدعمون اقتصاد مصر بمئات ملايين الدولارات.. القاهرة تدرس إقامة منطقة صناعية لهم

يوسع سوريون لجأوا إلى مصر من نشاطهم الاقتصادي، حتى بلغت قيمة استثمارات رجال أعمال سوريين …