طيب تيزيني.. رجل يمشي على قدميه ليداهمه النسيان والبكاء

“مؤذّن حمص وفيلسوف العرب” هكذا وصف موقع “مرصد الشرق الأوسط وشمال افريقيا” الدكتور المفكر “طيب تيزيني” في حوار متشعب معه تناول قضايا عدة تتعلق بحياته اليومية وذكرياته والتأثيرات المعرفية التي ساهمت في صياغة تجربته الفكرية.
ولفت “تيزيني” إلى أن حمص كانت ولا تزال المبتدأ والمنتهى في حياته -وهذا لا يعني إغفال حق المدن الأخرى التي زارها وأخذ كثيراً منها وخصوصاً النمسا وبرلين اللتين كانتا مهمتين في حياته، لكن حمص -على ما هي عليه- طبعت هذه الزيارات كلها بطابعها، “وجدت نفسي أزور حمص فيها مرات ومرات متعددة في مدن متعددة، هذا ما يجعلني أشعر بشيء من الأسى، أنَّ حمص كانت وما تزال تعاني شظايا هذا العالم”.
واسترجع مؤلف كتاب “مقدمات أولية في الإسلام المحمدي الباكر” جانباً من البيئة التي نشأ فيها، والتي كانت -كما قال- بيئة منفتحة على كثير من التوجهات الثقافية العامة، ومنها الأدب والفلسفة والفن بما فيه الغناء، فكانت بداياته ضمن مكان لطيف هو منزل أهله، حيث تعرّف على كثير من الناس كانوا أصدقاء لوالده أو أصدقاء لإخوته.
وكشف د. تيزيني أن والده “مصطفى التيزيني” كان متديناً، لكن تدينه كان حالة جديدة بالنسبة إلى الحي الذي سكن فيه على الأقل، “كان صريحاً واضحاً يتكلم بوضوح ويحاجج الجميع، شجاعاً في نزالاته”، وهذا ما جعل بيت العائلة يتحول إلى قِنَاق بالتركية، (القناق هو المنزول أو الصالون الأدبي بلغة اليوم).
وتحت سقف هذا المنزل كان تيزيني يسمع بأناس ولكن لا يعرفهم، ومنهم الشيخ “طاهر الرئيس” ورئيس الجمهورية فيما بعد “هاشم الأتاسي”، واستدرك المفكر الحمصي أن حالتين تداهمانه اليوم بسبب الأحداث التي يعيشها هما: النسيان والبكاء.
وأردف “في هذا الجو تعلمت التواضع وبعد التواضع عرفت أن بعض الأفكار التي نأخذ بها ليست وحيدة، فهناك عالم آخر من الأفكار، وهذا ما جعله يتواضع كثيراً في أفكاره وعلى هذا النحو مشى ووصل إلى محطات كثيرة، ولم يتوقف وما يزال على هذا الطريق”.
ولفت المفكر الثمانيني إلى أهمية المشي في حياته وعدم تفضيله ركوب السيارة أو أي واسطة نقل أخرى “أريد أن أمشي، لأتعرف إلى العالم، فالمشي حالة فريدة من التعلم والتعرف إلى الحياة لأرى ما أراه وأسمع ما أسمعه وأنا أسير وأتحرش في حالات كثيرة بكثيرين، خصوصاً الفقراء، أتحرَّشُ بهم، أتحدث إليهم، أمشي معهم وأتعلَّمُ منهم”.
د.”تيزيني” الذي تم تصنيفه كواحد من أهم مائة فيلسوف عالمي في القرن العشرين استرجع في الحوار المذكور بدايات الوعي السياسي في مدينة حمص التي كانت مركزاً سياسياً وثقافياً مهماً لسوريا برجالاتها وبمجموعاتها الشبابية التي ولَّدت حالات لا تُنسى، مشيراً إلى أنه دخل إلى الحياة عبر السياسة في هذه المدينة، حينما كانت تخرج فيها تظاهرات من المدارس بمناسبات عدة منها عيد الاستقلال وعيد المدينة.
نشط “تيزيني” إلى مرحلة ما بعد الثانوية في العديد من الأحزاب ومنها -كما قال- “حزب الشعب” و”الحزب الوطني”، ومن خلال حزب “الإخوان المسلمين” تعرّف إلى رئيسه الشيخ “مصطفى السباعي” عن قرب والتقاه مراراً وكان يتوق لسماعه في الجامع الكبير في حمص لأنه –حسب وصفه- كان شخصية فذة ومستنيرة وشجاعة.
ولد “د. طيب التيزيني” في مدينة حمص عام 1934 وغادر إلى تركيا بعد أن أنهى دراسته الأولية، ومنها إلى بريطانيا ثم إلى ألمانيا لينهي دراسته للفلسـفة فيها ويحصل على شهادة الدكتوراه فيها عام 1967 ثم الأستاذية في العلوم الفلسفية. صدر أول كتاب له باللغة الألمانية عام 1972 بعنوان “تمهيد في الفلسفة العربية الوسيطة”، ثم تتالت أعماله ومن أهمها باللغة العربية: “الفكر العربي في بواكيره الأولى”، “من يهوه إلى الله”، “التراث والثورة” وغيرهما.
ورغم أنه كان يقيم في دمشق بحكم عمله الأكاديمي في جامعة دمشق إلى أنه آثر العودة الى مدينته حمص والبقاء فيها رغم ما حلّ بالمدينة من دمار وخراب.

شاهد أيضاً

إذا كانت إيران حريصة على السنّة.

خير الله خير الله قبل أيام من احتفال لبنان بالذكرى الخامسة والسبعين للاستقلال، جاء المؤتمر …