عبدالحكيم قطيفان نجم يحرك شخصياته الدرامية وعينه على نهضة عربية قادمة

131065_r4

الفيحاء نت – العرب اللندنية

قليل من العاملين في حقل التمثيل حظوا بفرصة قبول الجمهور لهم مهما تعددت أدوارهم وتلونت. فكثيرا ما نفر المشاهدون من هذا النجم، أو ألصقوا به شخصية من الشخصيات التي تقمصها، دون أن يفصلوا بينه وبين لعبة الفن. فالمزاج العام صعب للغاية، يحكم على الممثل من حالات تتكرر، فيجعل منه نمطا، سرعان ما يمله، وينزله من على درجات سلم النجومية، غير أن النجم السوري عبدالحكيم قطيفان تمرس وخبر كيفية مخاطبة الجمهور، والعزف على أوتار اهتمامات الناس بإخلاص وصدق، حتى اعتبره الناس واحدا منهم، سواء على الشاشة أم خارجها.

لهذا الجانب سر يعرفه قطيفان يتصل بكيف نحتفظ برائحة التراب الذي نعشقه ونحمله في ترحالنا. ولد قطيفان في مدينة درعا السورية عام 1958، وسافر إلى مصر لدراسة السينما، ولكن سفره صادف زيارة الرئيس الراحل أنور السادات إلى القدس، ورد الفعل الرسمي العربي الذي دفع عددا كبيرا من الطلاب العرب المقيمين في مصر إلى العودة إلى بلدانهم. وكان قطيفان من بين هولاء.

عاد إلى دمشق حائرا، ورغم أن والده كان يرغب في أن يراه طبيبا ذات يوم، إلا أن ولع قطيفان بالفن دفعه إلى الانتساب إلى المعهد العالي للفنون المسرحية، فتخرج بتفوق مع الدفعة الأولى للمعهد في العام 1981، وكان من بين رفاقه في مقاعد الدرس كل من جمال سليمان وأيمن زيدان وفايز قزق ووفاء موصللي وآخرين.

لم يكد الممثل الشاب يبدأ حياته الفنية آنذاك، حتى تم اعتقاله بسبب انتمائه لليسار السوري المعارض عام 1983. وتعرض خلال أعوام سجنه للتعذيب الشديد، وبقي حتى العام 1991 قبل أن يطلق سراحه. لم يخرج قطيفان من السجن مكتئبا منكسرا، بل واصل المشروع الذي بدأه وكأن الزمن توقف خلال الأعوام المظلمة، وكأن شيئا لم يكن، فمثل في المسرح والتلفزيون والسينما، وقدم مسرحيات مثل “العين والمخرز” و“ثلوج الصيف” وظهر في فيلم “صهيل الجهات” للمخرج ماهر كدو. وسرعان ما احتل موقعه المتميز في الدراما السورية والدراما العربية من خلال عدد كبير من الأدوار اللافتة التي قدمها، فبات معروفا في كل بيت عربي.

غزلان في غابة الذئاب

بداية التسعينات كانت نقطة عودة قطيفان إلى التمثيل، فكان دوره في مسلسل “أيام الخوف” وفي “جريمة في الذاكرة” ثم في مسلسل “الطير” الذي صنع له حضورا مميزا.

لم يغب منذ ذلك الوقت عن أهم الأعمال الدرامية السورية الناجحة، ولعله كان حجرا أساسيا في نجاح كل منها، كما في دوره في مسلسل “أبناء القهر” وفي “التغريبة الفلسطينية” مع المخرج الكبير حاتم علي.

يصف قطيفان فترة سجنه التي حرمته من اندفاعة الممثل الشاب بـ“النزهة”، مقارنة بما يحدث الآن في السجون السورية. يقول لـ“العرب”، “إن هناك شكلا من المديونية العالية تجاه الإنسان الذي يعترف بك وبوجودك” ويضيف “وأنت داخل السجن لا يوجد أفق للخروج، هذا الاعتراف يشعرك بأنك ما زلت حيا، يشعرك بقيمتك، وأن هناك شخصا في هذه الحياة يعترف بك خارج إطار العائلة”. ولذلك يدعو قطيفان إلى عدم نسيان نصف مليون معتقل في السجون في سوريا والعمل الدائم على المطالبة بإطلاق سراحهم، بالإضافة إلى متابعة ظروف المعتقلات اللواتي تعرضن للاغتصاب، ليتم احتضانهن ومساعدتهن على تجاوز أزمتهن. يقول قطيفان إن “المرأة المغتصبة ضحية مزدوجة في مجتمعنا، من جانب النظام ومن جانب أهلها”.

استهوت الفنان الوسيم، كما يوصف في الإعلام، أدوارا إشكالية حادة، تترك خدوشا في ذاكرة المشاهدين، فكان دوره في مسلسل “غزلان في غابة الذئاب” الذي واجه إشكالات مع الرقابة الرسمية في سوريا حينها، وكتبت عنه الصحافة أنه أثار استياء أكثر من شريحة في المجتمع السوري. كان العمل من إخراج رشا شربتجي التي دافعت عنه بالقول إن “نص المسلسل الذي كتبه فؤاد حميرة يعتمد على المصداقية في نقل واقع الشريحة الفقيرة، وكيف تفكر في كسب المال، وماذا يكون مصير محاولات الفقير للخروج من مستنقع الفقر”. قام قطيفان بدور زهير إلى جوار أمل عرفة وخالد تاجا والفنان العراقي أيمن رضا.

ومع الوقت أخذت أعمال قطيفان تزداد حدة تجاه الظواهر من حوله، فكان كمن يتعمد اختيار تلك الأدوار التي تحمل رسالة أبعد من مجرد أداء ممثل، وأعمق من مجرد المتعة والمؤانسة والتسلية التي تصبغ العملية الفنية أساسا. كان هذا خيارا ثقافيا لقطيفان، وزاوية للرؤية اختارها لنفسه دون غيره، فكان أداؤه لشخصية الأمير فهد الأطرش في مسلسل “أسمهان” الذي تناول حياة المطربة الإشكالية التي اتهمت بالتجسس أثناء الحرب العالمية الثانية، والتي لقيت حتفها في حادث غرق سيارتها في ترعة في النيل، وكذلك دوره اللافت في مسلسل “ما ملكت أيمانكم” الذي تناول ظاهرة التطرف الديني والإرهاب، وأثار جدلا واسعا على امتداد الساحة العربية. ولا يغيب عن الذاكرة أيضا لعب قطيفان لدور شخصية الضابط البعثي الكبير عدنان المالكي في مسلسل “حمام القيشاني”، والذي أدى اغتياله إلى تغيير وجه المنطقة لاحقا.

غاب اليسار من أجل شعبوية فارغة

يتمنى قطيفان حدوث نهضة عربية جديدة، قوامها الفن والثقافة والآداب، ويرى أنه من الضروري العمل على سلسلة أفلام تتناول رواد ومثقفي عصر النهضة، الذين طرحوا تلك الأسئلة الحارة منذ 150 سنة، والتي مازالت تنبض بالحياة حتى الآن. يقول “نحن نتغزل بالديمقراطية في أربعينات أو خمسينات القرن الماضي والمستوى الناضج للحياة أيامها، دون أن نعرف شيئا عن سبب تلك الأجواء. وأنا أعتقد أن ذلك كله كان قائما على نتاج هؤلاء المفكرين والمنظرين مثل محمد عبدو وجمال الدين الأفغاني وكوكبة من الآخرين”، ولعل ذلك يذكر بدوره في المسلسل التاريخي الكبير “إخوة التراب” الذي يتحدث عن آثار تلك النهضة على العالم العربي.

لم يكن الفنان الملتزم بحاجة إلى أي تحريض حين انتفض الناس في بلده، لا سيما وأن شرارة تلك الانتفاضة قدحت من درعا مسقط رأس قطيفان. فلم يتردد في التحول إلى رافعة ثقافية وسياسية للفكر المتحضر المتمدن الذي يرفض الاستبداد من جهة، ويرفض معه الاستبداد الديني من جهة أخرى.

أما اليسار الذي يتحدر منه، فيرجع قطيفان أسباب تقلص دوره في المشهد السوري، إلى عدم قدرته على أخذ شكل منظم نتيجة التهميش الطويل والحملات المتكررة الشرسة ضده في زمن حكم حافظ الأسد، ليبقى مجرد أصوات منفردة وليست ظاهرة اجتماعية كقوى وأحزاب ونقابات ومنظمات، العمل الجماعي يحتاج إلى مساحة من الديمقراطية والاستقرار، وضمن مأساة الحرب والموت والتشرد من الصعب حدوث ذلك.

يقول قطيفان لـ“العرب” إنه “عندما بدأ تطييف المسألة وأسلمة الثورة السورية، بدأت تلك القوى المدنية تشعر أنها غير مرحب بها. كما أن دور الإعلام لم يفسح المجال لهذا الخطاب ليقوم بتأكيد نفسه. وإنما تم دعم الخطاب الطائفي الإسلامي، لذلك فإن قسما من هذه المعارضة انكفأ على ذاته، وقسما آخر منها اعتقل في سوريا، والقسم الثالث هاجر. ولذلك نستطيع القول إنهم تعرضوا ليس فقط للتصحر كما جرى أيام الأسد وإنما أيضا إلى شرذمة فظيعة ومقصودة.

إن رأسمال هذه القوى، كما يعتقد قطيفان، فقير جدا تجاه الشعبوية في الشارع، قياسا للقوى الإسلامية. ونتيجة لإحساس اليتم والخذلان الذي شعر به الشارع المنتفض رفع شعاره المعروف “يا الله مالنا غيرك يا الله”، فالمجتمع الدولي لم يساعد سوريا، ولا يساعدها الآن، على إنتاج معارضة ديمقراطية تقبل بسيادة القانون وتعمل على وحدة سوريا لتكون هذه الدولة دولة ديمقراطية تعددية لكل مواطنيها.

لا يعتقد قطيفان أن داعش وجبهة النصرة وجيش الإسلام وباقي الفصائل المتأسلمة هم الثورة السورية، فهم يمارسون، حسب رأيه، ذات الصيغة التي يمارسها نظام الأسد مع الناس من اضطهاد وتعذيب سواء كانوا في إدلب أو الغوطة أو غيرهما. وهو لا يجد اختلافا بين الحالين، ويرى أن ما يحدث الآن هو صراع أيديولوجيات. يقول إن هؤلاء المتطرفين “لديهم أجندة مختلفة عن أجندة الشعب السوري، بينما نحن نريد دولة علمانية ديمقراطية تعددية ذات سيادة وكل من فيها تحت القانون والمحاسبة. أما هم فيريدون دولة إسلامية، وهذا المشروع ليست له علاقة بالثورة، بل إنه تطبيق لأجندات إسلامية لها علاقة بالدول الداعمة وبالمخابرات التي شاركت في تدمير الثورة السورية”.

وكسياسي دفع ثمن مبادئه سنين من عمره يقول قطيفان إنه “وبالرغم من وجود أشخاص نظيفين، إلا أنهم قدموا بشكل أو بآخر تنازلات لجهة ما أو لغرفة مخابرات معينة، مع أني أدرك أن أي ثورة بحاجة إلى حلفاء وأصدقاء سياسيين، لكن كان من حظنا أن حلفاءنا السياسيين عليهم إشارات استفهام وتعجب كبيرة”.

ويفصل قطيفان كثيرا في هذا، فهو يعتقد أن دولا لا تؤمن بالديمقراطية لا يمكن أن تريد الديمقراطية لسوريا وأن تريد العدالة الاجتماعية وسيادة السوريين. ويجد أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لا يختلف كثيرا عمن قاموا بإيذاء الثورة السورية، ولا يمكن أن يكون حليفا للشعب السوري إن كان ينسق مع روسيا ومع إيران. لذلك فإنه يعتبره “كذبة كبيرة. مثل الآخرين”.

فنان وسط الفوضى

ونتيجة لغياب الدراما السورية بصورتها الأمثل في هذه السنوات فقد شارك قطيفان في أعمال في الدراما المصرية، مثل “سرايا عابدين” مع الفنان قصي خولي، وشارك في أعمال لكبار النجوم العرب مثل عادل إمام وميرفت أمين، كما شارك في بطولة مسلسل “فرقة ناجي عطالله” حين جسد دور تاجر سلاح كبير. وكذلك مسلسل “فوبيا”، لخالد الصاوي، و”أحزان مريم”، إلا أن انشغاله الأكبر بقي في العمل الإنساني. فقد ساهم بالدعم الإغاثي للسوريين وتنظيم العديد من الحملات لذلك الهدف، وزار عدة مخيمات للسوريين بالخارج، يقول قطيفان “كان يؤلمني منظر الأطفال كثيرا، شاهدت عددا ممن تم قنصهم بالظهر ليبقوا طوال حياتهم مشلولي الحركة، كأنها عقوبة إضافية للأهل حيث سيبقى ولدهم على الكرسي طوال الحياة” وتحدث عن وجود 50 ألف طفل مبتوري الأطراف.

يعتقد قطيفان أن تلك الزيارات كانت تمنح الناس بعض العزاء بوجود من يشعر بهم ويشاطرهم وجعهم. قدم مع أصدقائه بعض المساعدات التي توفرت لديهم، وتمنى مشاركات أكثر من فنان بمثل بتلك الزيارات، يقول قطيفان إن “الفنان قوة هائلة ورافعة معنوية لم تعرف المعارضة كيفية استثمارها والاستفادة منها”.

وبغياب دور النخب الفكرية والسياسية ليس في العالم العربي وحسب بل أيضا في غالبية العالم، بات على نجوم المجتمع لعب الدور التنويري الأكبر تجاه الكثير من قضايا مجتمعاتهم، لذلك نرى نشاطات بارزة لممثلين ومبدعين من أنحاء العالم، من بينهم عبدالحكيم قطيفان ويارا صبري وهند صبري وكنده علوش وحسين الجسمي ومحمود قابيل ويسرى، وتتصدر القائمة في هذه الفترة النجمة الأميركية أنجلينا جولي التي تقود حملة الممثلين الذي يقدمون هذا الدور الإنساني على كل شيء حتى على حياتهم الفنية الخاصة.

شاهد أيضاً

ماكرون يخشى حرباً تشعلها إيران و بريطانيا: نعمل مع الحلفاء لاتخاذ اجراءات بحق إيران

شدد الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون على وجوب ألا تمتلك ايران سلاحاً نووياً، منبهاً الى ضرورة …