غارديان: هكذا غيرت الحرب في سوريا موازين القوى في العالم

1517733251

نشرت صحيفة “غارديان” البريطانية تقريراً مطولاً يوضح أبعاد صراع القوى العالمية في سوريا، والتغير الذي طرأ على المؤسسات والعلاقات الدولية وموازين القوى التي كانت تحكم العالم منذ الحرب العالمية الثانية والذي أسمته الصحيفة “بالكارثة الاستراتيجية التي لا تزال تداعياتها تظهر إلى الآن”.

لحظة التحول
كان صباح يوم السبت مشمسا في 31 آب 2013، حيث صادف عطلة عيد العمال في نهاية الأسبوع في الولايات المتحدة، عندما كان (باراك أوباما) يتنزه في حديقة البيت الأبيض للزهور. كان آخر شيء يفكر به معظم الأمريكيين هو خوض حرب بعيدة في دولة من دول الشرق الأوسط.

واجه (أوباما) معضلة، إذ إن القرار الذي كان على وشك الإعلان عنه، كان سيرى على أنه لحظة حاسمة في رئاسته، كما أنه يمثل نقطة تحول في التوازن الاستراتيجي الدولي للقوى، هذه اللحظة وبحسب “الغارديان” كانت لحظة تحول الحرب في سوريا إلى الفشل الملحمي في عصرنا.

كان (أوباما) قد تعهد بأن أي استخدام للأسلحة الكيميائية من قبل (بشار الأسد) سيعتبر “خطا أحمرا”، مما يستدعي التدخل العسكري المباشر، قبلها بعشرة أيام، أطلق (الأسد) هجوماً على الغوطة الشرقية، بالقرب من دمشق. أسقط فيها غاز الأعصاب، السارين، من الهواء الهجوم الذي أدى إلى مقتل أكثر من 1000 شخص، المئات منهم كانوا من الأطفال.
الصحفيون الذين كانوا ينتظرون، توقعواً إعلانا أمريكيا عن عمل عسكري وشيك. إلا أن (أوباما) غمز بعينيه، وأعلن أن الولايات المتحدة لن تهاجم نظام (الأسد) – ليس الآن، على أية حال. وبدلا من ذلك، قرر أولا طلب الحصول على إذن من الكونغرس.

ورقة التين
فاجاً قرار (أوباما) حتى أقرب مستشاريه. ظهر على أنه قد تأثر بقرار التصويت غير المتوقع من مجلس العموم البريطاني قبل يومين. في 29 أغسطس، عندما تم رفض قرر (ديفيد كاميرون)، بتوجيه القوات البريطانية للانضمام إلى التحالف العسكري المشترك، بفارق ضئيل بالأصوات.
بالنسبة لرئيس كاره للمخاطر، تعهد سابقاً بإنهاء حروب أمريكا الخارجية شكل رفض حليفه السابق، في الحرب على العراق، تكرار الخطأ الذي ارتكبه في 2013، بعدم الغطس مجددا في صراع مفتوح آخر في الشرق الأوسط، تحذيراً له. فمن الناحية القانونية، لم يحتج (أوباما) إلى موافقة الكونغرس. لكن التصويت البريطاني أعطاه ورقة تين معقولة، بحسب تعبير الصحيفة.

في النقاش الذي أعقب القرار، اتضح أن الكثير من الأمريكيين عارض المشاركة في حرب أخرى في الشرق الأوسط حتى قبل أن تصل القضية إلى أوجهها، كان هناك مفاجئة أخرى، روسيا، حليف (الأسد)، عرضت إزالة مخزون الأسلحة الكيميائية للنظام لمنع تكرار مثل هذه الاعتداءات. وافق (أوباما)، قالت الصحيفة بشكل كارثي، وأوردت أنه في الواقع، لقد استعان بموسكو في الحرب كمصدر خارجي.

وأشارت “غارديان”، أن هذه اللحظة كانت نذير شؤم. فقد تم تفسير تجاهل (أوباما) لخطه الأحمر في موسكو وطهران ودمشق وغيرها من العواصم العربية كدليل على تحول جوهري في الموقف الأمريكي. دليل على أن العقوبة، بدأت تنحسر بعد تراجع أمريكا عن دورها كشرطي عالمي، بعد حربها على العراق. تردد أوباما أعطى (فلاديمير بوتين)، الزعيم الروسي، بوابة للعبور. والذي وضع على جدول أعماله الأساسي: إعادة بناء نفوذ موسكو في الشرق الأوسط وجعل روسيا عظيمة مرة أخرى من خلال استعادة نفوذها العالمي الممتد إلى الحقبة السوفياتية.

سوريا التي غيرت العالم
وتضيف الصحيفة، أنه من غير الواضح ما هو الأثر الذي سيتركه التدخل العسكري الأمريكي فيما لو حصل في 2013. من الممكن أنه كان ليتسبب في زيادة محنة المدنيين بدون إسقاط النظام أو الحد من الحرب. ومن الممكن أيضا، أنه كان ليصعد الحرب بشكل لا يمكن السيطرة عليه، وعلى الرغم من ذلك، من الصعب أن نرى كيف يمكن للأمور أن تكون أسوأ مما هي عليه الآن.

بقراره تسليم المسؤولية، (أوباما) أرسل رسالة ضارة أخرى: أن الولايات المتحدة، القوة العظمى الوحيدة في العالم، والحليف الرئيسي لبلد مثل بريطانيا، لم تكن مستعدة للقتال من أجل سوريا حرة وديمقراطية، وغير مستعدة للقتال من أجل الديمقراطية في دعم ثورات الربيع العربي الأخرى. حاولت فعل ذلك في ليبيا في عام 2011 وسرعان ما ارتدت هذه المحاولة.
ومن خلال التحرك السلبي في سوريا، وحشر نفسها فقط في عمليات مكافحة الإرهاب والدعوات العقيمة إلى السلام، ومن خلال الفشل في معاقبة جرائم الحرب، تقوض الديمقراطيات الغربية فعليا ميثاق الأمم المتحدة، والوكالات الإنسانية، والقانون الدولي.

وفي الوقت نفسه، فإن التردد والانقسام والإهمال الغربي أدى إلى ظهور قيادات استبدادية في العديد من عواصم العالم وشجع نمو الجماعات الإرهابية الإسلامية، على حد تعبير الصحيفة.
في نهاية المطاف، تدخلت الولايات المتحدة وبريطانيا مباشرة في العراق وسوريا، كجزء من تحالف متعدد الجنسيات في عام 2015. والذي كان لمحاربة التهديد المباشر الموجه إليهم من قبل تنظيم “الدولة الإسلامية” وليس للحفاظ على القيم العالمية التي تتبناها هذه الدول ظاهريا.
وباختصار، فإن القرارات التي اتخذت في عام 2013 أدت إلى كارثة استراتيجية لا تزال تداعياتها تظهر إلى اليوم. وهي السبب الرئيسي في أن الصراع السوري الذي بدأ كاضطراب محلي طفيف شمل أطفالا في بلدة درعا، تحول إلى حربا حاسمة في عصرنا.

وتضيف الصحيفة، أنه لطالما كان من الخطأ، الاعتقاد بأن الصراع السوري يمكن أن يبقى محدود الأثر. الآن، ونظرا لدرجة التعقيد الذي وصل إليها. والفترة التي استمر بها والطابع العابر للحدود الذي يظهر عليه، يمكن القول، إن سوريا غيرت عالمنا إلى الأبد.

الكارثة المتصاعدة
الاقتراح بأن الحرب ستنحسر بعد سبع سنوات من الحرب العاصفة المدمرة اكتسب رواجاً كبيراً في 2017. وتشير الأدلة التي تظهر على أرض الواقع أن العكس هو الصحيح. فوفقا لبيانات الأمم المتحدة اليائسة الأسبوع الماضي، فقد وصل حجم المعاناة في جميع أنحاء البلاد إلى مستويات غير مسبوقة، حيث تم منع وصول المساعدات إلى ثلاثة مراكز سكانية، كما ازداد عدد النازحين والمحتاجين إلى أكثر من 13 مليون شخص. بالإضافة إلى مقتل أكثر من 500,000 شخص منذ عام 2011. حيث لا يزال القتل مستمراً بلا هوادة.
تطالب الأمم المتحدة بوقف فوري لإطلاق النار، حيث تشير إلى انه لم يتم حتى الأن منح طلب واحد للوصول إلى المناطق الأكثر تضررا. روسيا، رفضت دعواتها، بينما تؤيدها الولايات المتحدة.

كما أصبح استهداف المدنيين، وخاصة من الجو، أكثر قسوة وروتيني حيث يحاول نظام (الأسد)، في الأشهر الأخيرة، أن يبني على التقدم الذي أخرزه خلال العام الماضي. في الغوطة الشرقية وحدها، والتي كانت مسرحا لهجوم السارين في عام 2013، قتل ما لا يقل عن 200 مدني بسبب الغارات الجوية السورية والروسية في غضون أيام قليلة فقط من الأسبوع الماضي.
وسقط المزيد من الضحايا المدنيين في عمليات عسكرية قام بها النظام في إدلب، حيث نزح قرابة 300,000 شخص منذ منتصف كانون الأول وحده. واندلعت معارك جديدة أيضا في عفرين، الواقعة في الشمال الغربي من سوريا، بعد توغل القوات التركية المدعومة من قبل الثوار من الجيش السوري الحر. وفي الوقت نفسه، وعلى الرغم من الاتفاق الذي وقعه (أوباما) في عام 2013 مع (بوتين)، فإن التقارير التي تتحدث عن استمرار استخدام النظام للأسلحة الكيميائية أصبحت أكثر تواترا.

ومنذ الهجوم الكيماوي الذي تم توثيقه في شهر نيسان الماضي على خان شيخون في محافظة إدلب، والذي قتل فيه أكثر من 80 شخصا، وقعت عدة حوادث قيل إنه تم استخدام غاز الكلور فيها ضد المدنيين. كما أن الغوطة الشرقية شهدت ثلاث هجمات كيميائية على نطاق أصغر مؤخرا، بناء على تقارير أقرت الولايات المتحدة بصحتها.

تغير في المؤسسات الدولية
عجز الأمم المتحدة المتزايد في مواجهة الكارثة الإنسانية في سوريا قابله فشل ذريع في جهود صنع السلام. حيث فشلت محاولاتها المحاولات المتكررة لوقف الحرب والوساطة في التسوية منذ عام 2011. وانهارت المحادثات التي استضافتها الأمم المتحدة في جنيف مرة أخرى في كانون الأول، ويرجع ذلك جزئيا إلى عملية سلام منافسة انطلقت تحت رعاية روسيا وتركيا وإيران. هذه المبادرة، أخفقت هي أيضاً عندما قاطعت المعارضة قمة سوتشي، في الشهر الماضي.

كما أن العديد من الخطط التي طرحت للحد من الخسائر البشرية، تلاشت دون أثر يذكر. بما فيها أفكار تضمنت إقامة ملاذا آمنا ومناطق حظر للطيران وممرات إنسانية. ولم يطرأ أي تحسن يذكر على آخر خطة تدعمها روسيا تحت مسمى “مناطق خفض التصعيد” والتي كان من المفترض أن تكون الغوطة الشرقية واحدة من هذه المناطق. والتي منذ تسميتها، تصاعد العنف.
إن الفشل في إنهاء الحرب قد ألحق أضرارا جسيمة بالمؤسسات الدولية والتي شكلت شؤون العالم منذ عام 1945. كما غير توازن القوى الاستراتيجية بشكل جوهري، مما أدى إلى تغيير دائم للعالم الذي نعيش فيه.

مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، والذي يعد من الناحية النظرية الوصي الدائم على سلوك أعضائه، فقد مصداقيته بشدة. ويرجع ذلك جزئيا إلى حق النقض الروسي لقرارات سوريا.
إن عدم فعالية المجلس يعود بسبب قصور في هيكليته. حيث يتمتع الأعضاء “الخمسة الكبار” الدائمون، وهم الولايات المتحدة والصين وروسيا وفرنسا وبريطانيا، بنفوذ كبير. وفي كثير من الأحيان، تفوق المصلحة الذاتية للدول على اعتبارات الصالح العام.

عندما أمر (دونالد ترامب) بتوجيه ضربة صاروخية لمرة واحدة على المنشآت العسكرية السورية في نيسان الماضي بعد فظائع خان شيخون، فعل ذلك دون الحصول على موافقة الأمم المتحدة. حيث أصبح تجاوز أو التقليل من أهمية المحفل الدولي الأول في العالم، قاعدة تتبعها القوى العظمى، بعد السابقة الأنجلو-أمريكية في العراق في عام 2003.
فشل منظومة الأمم المتحدة، وبشكل منفصل، المحكمة الجنائية الدولية، في دعم المعاهدات الملزمة مثل اتفاقية الأسلحة الكيميائية لعام 1993 أو مقاضاة جرائم الحرب والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية، قد ألحق ضررا دائما.

استقالت (كارلا ديل بونتي) المدعي العام بجرائم الحرب ذات الخبرة، في آب الماضي من لجنة تحقيق التابعة للأمم المتحدة. واعتبرت إن الاعتراض الروسي يحبط عملية البحث عن العدالة. وأضافت “لقد كان الأمر يتعلق بتقاعس مجلس الأمن … إذا نظرتم إلى كل التقارير التي نشرناها، لم نحصل على أي شيء، إنه أمر لا يصدق”.

المواجهات الإقليمية
وإذا ما وضعنا التكلفة البشرية جانبا، فإن التدخل العسكري الروسي في سوريا في عام 2015 والذي جاء بناء على طلب (لأسد) كان نجاحا استراتيجيا (لبوتين) وهزيمة للغرب. لقد كان التدخل نتيجة منطقية للعذر الذي قدمه (أوباما) قبل عامين، ومنذ ذلك الحين حول الحرب لصالح النظام. ما ضمن لروسيا وجودا عسكريا على المدى الطويل في قواعد سوريا المتوسطية. وأعاد تأسيس موسكو باعتبارها لاعبا مؤثرا في الشرق الأوسط. وأثر سلبياً على العلاقات الغربية مع لاعبين رئيسيين مثل تركيا وإيران ومصر.
إدراك البعض بأن الأسد قد يفوز قد دفعهم إلى تغيير موقفهم منه، بعيداً عن الدعوات الغربية للإطاحة به. وإذا ما أثبتت الحرب أي شيء، فإنه ومن بين جيران سوريا، وبحسب الصحيفة، فإن القلق على حياة السوريين، وكرامتهم الإقليمية، وهويتهم الوطنية أو حتى حكمهم الديمقراطي لا يأتي ضمن الأولويات الأولى لهذه الدول.

من خلال المعركة الأخيرة في عفرين الشهر الماضي، يواجه (أردوغان) تحديا مباشرا للولايات المتحدة ولحلف “الناتو” وهو الذي يفترض به أن يكون الركيزة الأساسية للأمن الغربي. ولكن هذا ليس مفاجئا. فتردد الولايات المتحدة في سوريا هو الذي أدى إلى الجموح التركي هذا. أما بالنسبة “للناتو”، فإن الأزمة السورية، مثل الأزمة في أوكرانيا في عام 2014، والتي جعلت كل شيء غير ذي صلة. إن الاشتباكات المباشرة بين القوات التركية والقوات الأمريكية في منبج، شرق عفرين، أصبحت الآن إمكانية ممكنة.
كما حسنت الحرب أحوال اثنين من الأعداء الإقليميين هما، إيران وإسرائيل. طهران، مثل موسكو، وسعت إلى حد كبير نطاقها ونفوذها، وربط قواتها في سوريا مع “حزب الله” في لبنان وحلفائه في الأراضي الفلسطينية. كما تجرأت على مواجهة السعودية في اليمن.

من جانبها، استغلت الحكومة اليمينية الإسرائيلية والتي تحظى بدعم كبير من (ترامب) مخاوف التهديد الإيراني، وتقدمت عبر سوريا، ونحت قضية الاستقلال الفلسطيني جانباً، كما قامت بتأمين تحالفات عربية غير رسمية، وعززت وجهة نظرها بأن اتفاق 2015 النووي مع إيران هو خطأ وخطير. وفي الوقت نفسه، أدى الفراغ السوري إلى تواجد الجيشين الإسرائيلي والإيراني إلى مواقع قريبة جدا، كما يتضح من الاشتباكات الجوية التي أسقطت فيها طائرة إسرائيلية من طراز F-16. حيث أوضح الحادث بشكل كبير كيف تستخدم الدول الأجنبية بشكل متزايد الأراضي السورية باعتبارها ساحة معركة بالوكالة.

أمريكا والاتحاد الأوروبي
وقد أثبت فشل سوريا وجود كارثة أمنية وسياسية ودبلوماسية تقسم الاتحاد الأوروبي. وعلى الرغم من طموحاته بأن يكون لاعباً عالمياً، فقد أجبر على الخروج بمظهر العاجز.
دول الاتحاد المنقسمة أصلاً بسبب الموقف من العمل العسكري، ازدادت فرقة بسبب الاختلافات حول كيفية إدارة تدفق موجات اللاجئين السوريين الكبيرة في الفترة 2014-2016. ولا تزال هذه المسألة دون حل، حتى مع بناء حالة طوارئ جديدة للمهاجرين. دول مثل ألمانيا، وبريطانيا الخارجة عن الاتحاد الأوربي، وبلدان أوروبية أخرى تكافح في الوقت نفسه في التنقل ضمن المشهد السياسي المتغير والذي أدى إلى ارتفاع المشاعر المعادية للمهاجرين.

إن هذا كله ليس بسبب خطأ السياسيين وحدهم فالضغط الشعبي على الحكومات الغربية لبذل المزيد من الجهد للمساعدة، قد انخفض، هذا إن كان موجوداً، مع استمرار الحرب إلى ما لا نهاية. وامتلأ الرأي الغربي المتعاطف بشعور واسع من اليأس. حيث يميل النشطاء والمجموعات الاحتجاجية مثل “ائتلاف وقف الحرب” إلى التركيز على الأهداف الأسهل، وغالبا ما تكون أهداف أمريكية محلية، مثل مواجهة خطاب (ترامب).

وأوروبا التي كانت تأمل من الإدارة الأمريكية الجديدة تولي زمام المبادرة، أصيبت بالإحباط، بعد عدم اهتمام (ترامب) بتقديم “حل” في سوريا.
استغرق الأمر من (ريكس تيلرسون) وزير خارجيته، سنة واحدة لإعداد وثيقة سياسة متماسكة يشوبها الغموض. وبينما نشطت الولايات المتحدة في الحرب الجوية، إلا أنها تجنبت بقوة أي اشتباكات مع القوات البرية. وعلى الرغم من وقوع اشتباكات قاتلة في الأسبوع الماضي مع ميليشيات موالية للنظام في شرق إلا أنه قد يتم امتصاصها ببطء.

إن تشويه سمعة المؤسسات الدولية والقانون الدولي؛ وتدهور القيادة الأخلاقية في الغرب؛ وتمكين الأنظمة الاستبدادية واليمينية؛ وكذلك حالة الفوضى، والحرب متعددة الأبعاد؛ والبؤس الذي لا نهاية له الذي يعاني منه الملايين من المدنيين الذي لاحول لهم – كلها أسباب قوية للاعتقاد بأن سوريا هي الفشل الملحمي في عصرنا.
وبحسب “الغارديان” ما زالت هناك المزيد من المخاوف من تحطم سوريا إلى عدد لا يحصى من الفوضى التي يسيطر عليها أجنبياً، حتى ونحن ما نزال نشاهد. وبينما تستعر الحرب بشكل غير مقبول، لا بد من التوصل إلى نتيجة لا مفر منها:

بسبب عدم تمكن الديمقراطيات الغربية من العثور على الإرادة أو الشجاعة اللازمة للقتال من أجل القيم الغربية والديمقراطية وإعادة ولادة الأمة السورية، فإن ذلك أدى إلى تعزيز حالة الرعب الدائم والتي تقف على أعتاب أوروبا.

الأزمة السورية ترسم نظاماً عالمياً جديداً.

حسن نافعة

كان الصراع الدائر في سورية وعليها منذ ما يقرب من سبع سنوات، قد أخذ في البداية شكل أزمة داخلية أفرزتها ثورة شعب في مواجهة نظامه المستبد. غير أن التفاعلات المتشابكة لتلك الأزمة ما لبثت أن حولته إلى صراع دولي واسع النطاق، وجاذب للقوى المتنافسة على قيادة المنطقة والهيمنة على النظام العالمي، حرصت القوى المنخرطة فيه على إخفاء أهدافها الحقيقية وراء شعارات برّاقة اختلطت فيها الأوراق، وسقطت الحواجز والحدود، واستحال فيها التمييز بين الطيب والخبيث، الأمر الذي أدى إلى تحول سورية تدريجياً إلى ساحة لتصفية الحسابات المتعلقة بأنواع الصراعات القديمة والمستجدة كافة، على خلفية مِن ثورات «الربيع العربي».

فحين انفجرت الأزمة السورية في آذار (مارس) 2011، نُظر إليها باعتبارها أحد تجليات هذا «الربيع»، وتصورت القوى الإقليمية والدولية الراغبة في تصفية حسابات قديمة مع نظام بشار الأسد، انطلاقاً من هذه الرؤية، أن أيامه باتت معدودة وأنه سيسقط حتماً بالسهولة نفسها التي سقطت بها نظم بن علي ومبارك وصالح والقذافي من قبل. غير أن هذه النظرة المتعجلة بدت وكأنها تغفل حقيقة مهمة ميّزت النظام السوري عن غيره من أنظمة الاستبداد التي اندلعت ثورات «الربيع العربي» في مواجهتها، وذلك من زاويتين رئيستين على الأقل. الأولى: أن هذا النظام كان الوحيد من بين النظم الحاكمة في «دول الطوق» الذي لم يرتبط بمعاهدة «سلام» مع إسرائيل، حيث بدا مختلفاً عن «نظام كامب ديفيد» المصري، وعن «نظام أوسلو» الفلسطيني، وعن «نظام وادي عربة» الأردني، الأمر الذي زيّن له تسويق نفسه باعتباره النظام العربي الوحيد «الصامد» في وجه الأطماع الإسرائيلية والداعم للمقاومة المسلحة للاحتلال الإسرائيلي على الجبهتين الفلسطينية واللبنانية!

الثانية: أنه النظام العربي الوحيد الذي قرر تأييد الثورة الإيرانية فور اندلاعها عام 1979، ورفض تأييد الحرب التي شنّها صدام حسين على إيران في العام التالي لاندلاع هذه الثورة. ورغم مشاركة النظام السوري لاحقاً في «حرب تحرير الكويت»، تحت قيادة أميركية، إلا أن علاقته بإيران، والتي بدت حينها مدفوعة بمتطلبات ترتيب أوراق الصراع مع إسرائيل، ظلت صامدة بل وراحت تزداد صلابة بمرور الوقت. كان من الطبيعي، في سياق كهذا، أن يتشكل في مواجهة تكتل القوى الدولية والإقليمية الساعية لإسقاط نظام بشار، تكتل مضاد شكلت إيران وحزب الله نواته الصلبة. اليوم، وبعد مرور سبع سنوات على اندلاع الأزمة السورية، يبرز التحالف القائم بين النظام السوري، من ناحية، وإيران وحزب الله، من ناحية أخرى، باعتباره الأقدر على امتلاك مقومات التماسك والصمود، مقارنة بالتحالفات الأخرى التي ظهرت في المنطقة، منذ اندلاع الأزمة السورية وحتى الآن، والتي اتسمت بقدر كبير من السيولة واعترتها مظاهر التفكك.

لا شك أن للصراع الدائر فوق الساحة السورية منذ سبع سنوات أبعاداً محلية لا يمكن إنكارها، غير أن التدخل الكثيف للقوى الخارجية أدى إلى تراجع المشكلات الداخلية لتصبح مجرد أداة توظّف كوقود لتغذية صراعات إقليمية وعالمية أصبحت الساحة السورية مرآة عاكسة لها. وبوسع أي مراقب لما يجري فوق هذه الساحة أن يلحظ أن تركيا وإيران وإسرائيل، وهي قوى إقليمية كبرى لدى كل منها مشروع خاص للهيمنة على المنطقة، منغمسة بعمق في هذا الصراع. ولأن أياً من هذه القوى لا يستطيع منفرداً حسم هذا الصراع لمصلحته، خصوصاً أن شبح الحرب الباردة بين الولايات المتحدة وروسيا الاتحادية عاد ليطل برأسه من جديد. لذا يمكن القول إن الصراع المحتدم على الساحة السورية يدور في الواقع، في شكل مباشر أو غير مباشر، بين تركيا وإيران وإسرائيل، وتتحكم في إدارته، في شكل مباشر أو غير مباشر أيضاً، كل من الولايات المتحدة وروسيا.

أتاح اندلاع ثورات «الربيع العربي»، بخاصة بعد تصدر تيار الإسلام السياسي المشهد، أمام أردوغان فرصة لبعث الطموحات العثمانية، ومن هنا إصراره العنيد في البداية على رحيل بشار، واستعداده لدعم القوى المناهضة له في الداخل والخارج، أياً كانت درجة تطرفها، ولفتح حدود بلاده أمام تدفق «المجاهدين» من كل حدب وصوب للاشتراك في القتال الدائر على الساحة السورية. غير أن مشروع أردوغان «العثماني» ما لبث أن تلقى ضربات عدة، أولها جاء من مصر عقب إطاحة حكم جماعة «الإخوان» عام 2013، وثانيها جاء من روسيا بعد أن قررت التدخل عسكرياً لدعم نظام بشار، وثالثها جاء من الولايات المتحدة التي راحت تعتمد على الأكراد في شكل مباشر للحصول على موطئ قدم فوق الأرض السورية، ورغم أنف النظام الحاكم. غير أن الضربة الأخطر جاءت أردوغان من الداخل التركي نفسه حين وقع انقلاب عسكري كاد أن يطيح به، ما أجبره على إعادة صياغة سياسته في سورية واختزال طموحاته في منع قيام دولة كردية على حدوده. وبعد أن كادت طموحاته تدفع به نحو صدام عسكري، خصوصاً بعد إقدام سلاح الجو التركي على إسقاط مقاتلة روسية، إذا به يصبح الآن شريكاً في البحث عن تسوية سياسية للأزمة، مع كل من روسيا وإيران.

كانت الأزمة السورية، التي راحت تتفاقم إلى الدرجة التي بدت تهدد نظام بشار بالسقوط، وضعت إيران في مأزق خطير، ذلك أن سقوط أهم حليف لها في المنطقة شكّل تهديداً خطيراً؛ ليس فقط لمشروعها التوسعي في المنطقة، وإنما عرّض أمنَها الوطني ذاته للانكشاف في الوقت نفسه، خصوصاً وأن سقوطه كان سيؤدي بالضرورة إلى ممارسة ضغوط كثيفة على «حزب الله» لتسليم سلاحه والتحول إلى حزب سياسي، وهو ما يفسر ليس فقط استماتة إيران في الدفاع عن النظام السوري، إنما أيضاً مسارعة «حزب الله» للمشاركة بالقتال إلى جانبه وفي توقيت بالغ الحساسية.

أما إسرائيل، فقد راحت تراقب بسعادة بالغة ما يجري على الساحة السورية، خصوصاً بعد أن أصبح الجيش السوري خارج معادلة الصراع العسكري معها، وسعت لسكب المزيد من الزيت على الأزمة المشتعلة والعمل على إطالة أمدها، أملاً في أن تفضي إلى تقسيم الدولة السورية واستنزاف إيران وحزب الله سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، بل ولم وتتورع عن التدخل عسكرياً في سورية من وقت إلى آخر لتوجيه ضربات انتقائية. غير أن صمود النظام السوري، بالتزامن مع تزايد نفوذ إيران وقوات «حزب الله» على الأراضي السورية، جعلها تشعر بالقلق. صحيح أن تدخل روسيا عسكرياً بدا لها كعنصر تطمين أكثر منه عنصر تهديد، غير أن تطور الأوضاع العسكرية على الأرض، خصوصاً بعد تمكن الدفاعات السورية أخيراً من إسقاط مقاتلة إسرائيلية من طراز أف16، جاء ليذكر الأطراف كافة بأن خيوط الأزمة ليست جميعها تحت السيطرة.

بقي أن نتذكر أن التدخل الروسي في الأزمة لم يبدأ إلا في الثلث الأخير من الولاية الثانية لأوباما، وأن روسيا راهنت على ترامب أملاً في أن يؤدي وصوله إلى البيت الأبيض إلى اتفاق على آليات تضمن تنسيق المواقف والسياسات بين البلدين، ليس فقط بهدف التوصل إلى تسوية سياسية للأزمة في سورية تأخذ في اعتبارها مصالح الأطراف كافة، وإنما أيضاً لضبط تفاعلات النظام العالمي من خلال قيادة ثنائية أو جماعية. لكن يبدو أن بعض الأوساط المتطرفة في كل من إسرائيل والولايات المتحدة تعتقد أن الأزمة السورية لا تزال قابلة للاستخدام كأداة لاستنزاف ليس فقط إيران و «حزب الله» وإنما روسيا أيضاً. ولأنني على قناعة تامة بأن سورية لن تهدأ إلا إذا تمكّنت من تفكيك التحالف بين إيران وسورية و «حزب الله»، تبدو لي الأزمة السورية بمثابة معمل التفريخ لنظام عالمي جديد أظن أنه يشهد الآن ولادة متعثرة.

 

شاهد أيضاً

1519376734

المجزرة.. حصة سورية من العالم

الحياة – حسام عيتاني بضع مقالات منحازة إلى ضحايا الهمجية في الغوطة ينشرها عدد متضائل …