كتاب “صبحي العمري، الأوراق المجهولة”.. تدوين جديد لتاريخنا المعاصر

تبرز أهمية قراءة مذكرات المجاهد “صبحي العمري -1898 – 1973” الذي عايش فترة نهايات الدولة العثمانية ونشوء الدولة العربية ومن ثم عهد الاستعمار والحكومات الوطنية من أنه يكتب مشاهداته بعفوية وبعين الصانع والمشارك في الحدث.
وهي مذكرات، تشبه إلى حد كبير ما كان يكتبه “البديري الحلاق” في دمشق، إبان الحقبة العثمانية، من مشاهدات يومية عبر دكان حلاقته، ثم أصبحت هذه المذكرات فيما بعد هي التاريخ الحقيقي للشعوب ومادة مهمة لدراسة تلك الفترة من الزمن.
غير أن العمري لم يكن محايدا وبعيدا عما يكتب عنه، بل كان جزءا مهما منه، لهذا يدفعنا لإعادة النظر بكل ما وصلنا من تدوينات وتأريخ لحقب مهمة من تاريخنا المعاصر وبالذات الثورة العربية الكبرى في العام 1917 وما بعدها، وهي حقب كتبها المستعمر أو السلاطين والقادة الذين استولوا على الحكم بمساعدة هذا المستعمر .. لذلك وصلتنا مشوهة ومنقوصة وبعيدة عن الواقع، وهي في المحصلة لا تخبرنا كيف وصلنا إلى هذه المرحلة من الدولة.
مع “صبحي العمري” نعيش تلك المرحلة بكل تفاصيلها، الاجتماعية والسياسية، وحتى الثقافية، إنه يخبرنا عن أشخاص مهمين في تاريخنا المعاصر وكان لهم دور كبير في صناعته، مثل “لورانس العرب” و”الشريف حسين” والملك “فيصل” وغيرهم الكثير من الشخصيات الذين احتك بهم بشكل مباشر وعايشهم، فينقل لنا صورا وأحداثا لم نقرأها من قبل، وكان لها الدور البارز من وجهة نظره، في تشكيل المنطقة العربية بصورتها الراهنة، من التبعية للغرب.
ولا بد أن نشير إلى أن البحث في مذكرات “صبحي العمري”، وإخراجها لنا من جديد، هو عمل تصدى له الباحث “سعد فنصة”، وعمل عليه لأكثر من عامين، قرأ خلالها آلاف الأوراق التي كتبها “العمري” بخط يده، دون ترتيب، ثم حاول أن يخرج لنا منها كتابا مبوبا، يروي تسلسلا تاريخيا، يبدأ من العام 1917، وحتى حقبة الخمسينيات من القرن الماضي.
*من هو “صبحي العمري”: 
ولد “صبحي العمري” بدمشق لأب كان قاضياً شرعياً ورجل دين شهيرا، درس وتخرج من المدرسة العسكرية العثمانية بدمشق برتبة مرشح ضابط عام 1916 قبل أن يلتحق بثورة “الشريف حسين” في العام التالي نظرا لما شهده من مظالم ثالوث قادة تركيا الكبار (طلعت وأنور وجمال باشا).
اشترك الضابط الشاب “صبحي العمري” في معارك الجيش العثماني بداية، ونال أوسمة عسكرية عثمانية وألمانية، وسطر أروع ملاحم البطولة عند انضمامه إلى الثورة العربية الكبرى، التي خاض غمارها من العقبة وحتى طرد الأتراك من “كليكية” في الشمال السوري.
شهد “العمري” ميسلون كقائد لسلاح الخيالة، وشهد استشهاد الوزير “يوسف العظمة” ودون مذكراته عن المعركة والمعارك السابقة.
ورافق الملك “فيصل” في أيامه الأخيرة قبيل مغادرته دمشق ودخول قوات الجنرال “غوابيه” ومن ثم “غورو”، وبدأ بعدها مع الضباط “سعيد عمون” و”فؤاد سليم” بشن حرب العصابات لمقاومة الاحتلال الفرنسي.
ساهم “العمري” في تأسيس جيوش ثلاث دول عربية في دمشق وعمان وبغداد وتنقل بين الدول الثلاث وخاض غمار أربع وأربعين معركة حربية على طول مساحة هذه البلاد، ويسجل له التاريخ انضمامه في العراق إلى ثورة “رشيد عالي الكيلاني” بأهدافها الوطنية، حيث وصل حينها إلى رتبة مقدم وقاد معارك الدفاع عن بغداد خلال الهجوم البريطاني لإعادة احتلال العاصمة بعد سقوط وزارة “الكيلاني” عام 1941.
نفاه البريطانيون إلى سوريا بعد أن تمت محاكمته وسجنه في بغداد، وأفرج عنه في العام التالي وتم تسليمه للسلطات الفرنسية التي كانت تلاحقه أيضا بحكم مساهمته في حرب العصابات المناهضة للفرنسيين فتم سجنه في سجن “المية والمية” في صيدا.
بعد سنة وسبعة أشهر أفرج عنه عام 1944 بعد تولي الحكم الوطني مقاليد الأمور بزعامة الرئيس المنتخب “شكري القوتلي”، حيث عينه قائدا للشرطة في دمشق بعد وصوله إلى سوريا قادما من لبنان.
استقال بعد فترة من تسلمه قيادة شرطة دمشق، وبقي يعمل في الأنشطة التجارية ولكنه لم يوفق، وانتخب نائبا في البرلمان منذ عام 1950.
في عام 1956 اعتقله “عبد الحميد السراج” رئيس الشعبة الثانية في الجيش (المخابرات) بتهمة المساهمة بالانقلاب الذي اتُهم فيه جمهرة كبيرة من الضباط من مثال “محمد صفا وغسان جديد وأديب الشيشكلي”، ومن النواب والساسة السوريين من مثال “عدنان وفيضي الأتاسي” و”منير العجلاني” و”هائل السرور” و”عدنان العائدي” وغيرهم.
وعدّ قرار الاتهام مؤامرة كبرى تستهدف الحكم الشرعي القائم، تم الكشف عنها وحكم على الجميع بالإعدام.
بقي “العمري” في السجن حتى عام 1960، حيث أفرج عنه ثم غادر إلى مصر ومنها إلى تركيا منفيا.
عاد الى سوريا عام 1965 وتفرغ لكتابة مذكراته وتدوين ما شهده من أحداث عاصفة، دوّن خلالها سجلاً لعشرة كتب تؤرخ للمراحل والسنوات التي عاصرها، بدأت عام 1969 بإصداره الأول (لورنس كما عرفته) فنّد فيه المبالغات والروايات الخيالية التي نسب فيها ضابط الاستخبارات البريطاني الفخري في كتابه الشهير (أعمدة الحكمة السبعة) انتصارات الثورة العربية الكبرى إلى ذاته.
وبعد رحيله قام أولاده وورثته بطباعة الجزء الهام من مذكراته بعنوان (أوراق الثورة العربية الكبرى) -(لورنس) -(ميسلون) وبقي لديه الكثير من الأوراق المجهولة حقق بها أخيرا من واشنطن، الباحث “سعد فنصة “.
*مذكرات “العمري”
وفي ثنايا كتاب “صبحي العمري، الأوراق المجهولة” يمكن قراءة المقدمة التي تتحدث عن نظرة في أحوال بلاد الشام عبر مختلف العصور”، “الشام في عهود ما بعد الإسلام”، “الشام في أوائل هذا القرن”، ويتناول أخلاق وتقاليد الدمشقيين والعمران والحياة الاجتماعية.
الجزء الأول: العهد العثماني وفيه فجر نهضتنا القومية وأحوالنا مع الأتراك خلال الحرب العالمية الأولى وما قبلها.
الجزء الثاني: “الثورة العربية الكبرى” .. كما عشتها، وفيها وقائعها التي لم يكتبها على ما أعلم أحد ممن حضرها من الضباط العرب حتى الآن، سوى المحاضرات المختصرة التي ألقاها “نوري السعيد” في مدرسة الأركان العراقية ونشرت في كتيب صغير.
الجزء الثالث: “ميسلون”، نهاية عهد وبداية نضال وفيه العهد الفيصلي العربي في سوريا وموقعة ميسلون التي لم يكتبها أحد ممن حضرها من العرب.
الجزء الرابع: “الحكم الهاشمي في شرقي الأردن”، منذ تأسيسه حتى مبارحتي له في سنة 1925 الى العراق”.
الجزء الخامس: “الحكم في العراق منذ الاحتلال البريطاني”، حتى مبارحتي له في سنة 1941 إلى معتقل المية والمية في لبنان”.
الجزء السادس: منذ عهد الانتداب الفرنسي في سوريا وحتى الجلاء.
الجزء السابع: عهد الاستقلال السوري منذ الجلاء الفرنسي وحتى انقلاب حسني الزعيم.
الجزء الثامن: عهد الانقلابات العسكرية وفيه الوحدة مع مصر.
الجزء التاسع: “الثورات القومية في بلاد الشام”، وهي الثورات التي وقعت في بلاد الشام خلال هذا القرن.
الجزء العاشر: “لورانس كما عرفته” وهو الجزء الذي صدر عام 1969.
وأخيرا، الكتاب صدر في واشنطن، بمناسبة مرور مئة عام على الثورة العربية الكبرى في العام 1917.

شاهد أيضاً

روسيا تسيطر على خطوط التماس في سوريا ومعابر الحدود مع الجوار مفاوضات لإطلاق «داعش» مخطوفي السويداء وذهاب شباب دروز إلى الجندية

باتت الشرطة الروسية تسيطر على معابر بين مناطق المعارضة في إدلب ومناطق النظام شمال سوريا …