مونديال روسيا.. هل ربح حلف الناتو وخسر بوتين؟

يقحم حلف شمال الأطلسي (ناتو) نفسه في مونديال روسيا 2018، مهنئا دوله الأربع التي بلغت نصف النهائي، غامزا إلى سقوط روسيا. ويضيف الحلف العسكري حمولة سياسية أكبر إلى التظاهرة الكروية العالمية التي لم تخل منذ انطلاقتها من رسائل وتحديات سياسية كثيرة.
فالفيديو الذي بثه الحلف على حسابه على تويتر، ويمتد لعشرين ثانية، وصُور  بالمقر الجديد للمنظمة في بروكسل؛ يحتفي بأن المنتخبات الأربعة التي وصلت لنصف النهائي هي من دول الناتو (كرواتيا وفرنسا، وإنجلترا وبلجيكا).
قبل ذلك نشر الناتو تغريدة تفيد بأن عشرة منتخبات من الحلف شاركت بالمونديال، إضافة إلى العديد من الدول الشريكة له، وكأنه يقسم المشاركين إلى “معسكرات” -مثلما ذكر مغردون- وحيث لا عزاء لروسيا التي تنظم التظاهرة، وأن فريقها ضعيف لا تاريخ له في المونديال يرقى إلى قوة دول الناتو.
تحيل تلميحات الناتو وأحداث أخرى جرت خلال المونديال مع زيادة التوتر في العلاقات بين روسيا والغرب؛ إلى استحضار أجواء الحرب الباردة التي كانت فيها الرياضة مجال معارك واستفزازات، خاصة بينالولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي السابق.
ويتجنب الإعلام الغربي الحديث بإيجابية عن “كأس عالم بوتين -كما درج الإعلام البريطاني على تسميته- ويحضر كثيرا الحديث عن الهنات مقابل تجاهل التنظيم المميز والأرقام القياسية الكثيرة التي تحققت.
بالنسبة للإعلام البريطاني والغربي المهووس بقضية الجاسوس سكريبال والدور الروسي المفترض في تسميمه، فإن المونديال ليس أكثر من فرصة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين ليستغل أهم تظاهرة كروية عالمية لتلميع صورته وتحقيق منافع سياسية.
 
وكان وزير الخارجية البريطاني -المستقيل- بوريس جونسون أكد في هذا السياق أن بوتين سيستغل نجاح كأس العالم كما فعل هتلر في أولمبياد برلين عام 1936، وحاولت بريطانيا الدفع باتجاه مقاطعة شاملة للمونديال بعد حادثة سكريبال، لكنها تراجعت لاحقا، ويقاطع المسؤولون البريطانيون حاليا حضور مباريات بلادهم.

ويقول الكاتب البريطاني مارك بالمر في مجلة “ذي سبكتاتر” إن “كأس عالم بوتين ستكون الأكثر ارتباطا بالسياسة، معتبرا أن وصول إنجلترا إلى النهائي سيكون “أجمل نصر” ضد روسيا في قضية سكريبال، على حد تعبيره.

صحيفة إندبندنت البريطانية (عدد 10 يوليو/تموز) قالت بدورها إنه إذا فازت إنجلترا بكأس العالم -أو وصلت للنهائي- فسيكون ذلك “كابوسا دبلوماسيا” بالنسبة للاعبين الذين عليهم مصافحة الرئيس فلاديمير بوتين المسؤول المفترض عن قتل مواطنين بريطانيين.

المنتخب الكرواتي هزم نظيره الروسي في ربع النهائي بضربات الترجيح (غيتي)

قضايا ساخنة
في مونديال 2018، كانت مباراة روسيا وكرواتيا في ربع النهائي الأكثر إثارة وحمولة سياسية؛ فانتصار كرواتيا ترافق مع شماتة واضحة في هزيمة روسيا بوسائل التواصل الاجتماعي، واعتبرت هزيمة شخصية لبوتين.

وفتح المدافع الكرواتي دوماغوي فيدا -الذي سجل هدفا في مباراة روسيا- بصرخته “المجد لأوكرانيا”– المجال لجدل كبير، وكذلك تصريح مرافق المنتخب الكرواتي أوجنين فوكويفيتش -الذي استبعد لاحقا- بأن “هذا الانتصار لدينامو (كييف) وأوكرانيا”.

ونالت هذه التصريحات انتقادات روسية وإشادة كرواتية وأوكرانية، وهي تستحضر  الأزمة بين روسيا وأوكرانيا ومسألة ضم موسكو شبه جزيرة القرم عام 2014، والخلاف الذي أصبح مستفحلا بين الروس والأوكرانيين.

من جهة أخرى، وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، كانت مباراة روسيا وكرواتيا حامية حتى بين السوريين، حيث انحاز البعض إلى الفريق الروسي ومن يسمونه “أبو علي بوتين”، في حين انبرت حسابات عدة إلى ربط الخسارة بـ”مجازر” الرئيس الروسي في سوريا ومساندته النظام.

وعلق البعض بقوله “مبروك كرواتيا.. هارد لاك (حظا سيئا) بشار الأسد وحسن نصر الله”، كما نشروا صور -قديمة وبعضها مركب- لبوتين وهو يبكي بعد الخسارة، في ما أرجع البعض غيابه عن حضور مباريات فريقه بعد الافتتاح إلى تخوفه من الهزائم.

روسيا -التي تسعى فعلا لتبييض صورتها الرسمية والشعبية من خلال المونديال- تبقى الدولة التي تقف -وفق معارضيها- إلى جانب نظام يقتل شعبه في سوريا، وهي التي سممت الجاسوس سكريبال وتدخلت في الانتخابات الأميركية وتهدد بلدان شرق أوروبا بترسانتها العسكرية وتحتل أرضا أوكرانية (القرم).

وبالنسبة لمحللين وكتاب أميركيين وغربيين، فإن روسيا قوي عودها، وعادت إلى الدعاية المضادة بكثافة، وكان المونديال فرصة كبيرة لها، إذ سعت لإظهار عوامل قوتها، خاصة في مدينة كالينينغراد (الجيب الروسي داخل أوروبا) الذي احتضن عددا من المباريات.

وتخشى الأطراف المناهضة لروسيا أن يهز النجاح في تنظيم كأس العالم الصورة النمطية التي كرستها لروسيا “المتخلفة”، مقارنة بدول الناتو والعالم الغربي -وفق التقسيم التقليدي- وصورة الرئيس بوتين الذي يحكم وفق “دكتاتورية مموهة”، ويهدد بسلاحه العالم الغربي و”ينثر الموت” في سوريا.

ولعل المضمر في الفيديو الذي نشره الناتو هو أن روسيا خسرت في “اللعبة الجميلة” -كما يصف كرة القدم- لعدم توفر مقومات الفوز لديها، في حين يبقى الأهم بالنسبة للحلف والدول الغربية ألا يحتفل فلاديمير بوتين أكثر من اللازم بعد أن يعلن الحكم انتهاء مباراة النهائي.

شاهد أيضاً

الممانعة شفافة وخصومها مرتبكون

الحرة حازم الأمين “صمت دهرا.. فنطق كفرا”! وأخيرا حصلنا على إجابة عن سر قبول جماعات …