هل ترك العبادي إيران وحيدة في صحراء كربلاء؟

تؤكد مؤشرات عديدة أن زيارة رئيس الحكومة العراقية حيدر العبادي إلى طهران، والتي كانت مقررة يوم غد بعد اختتام زيارته إلى أنقرة، قد تم إلغاؤها من الجانب الإيراني، وذلك في رد فعل غاضب إزاء موقف العبادي من العقوبات الأمريكية التي فرضت على إيران مؤخراً.
وكان العبادي اعتبر أن العقوبات «خطأ جوهري واستراتيجي» لا يتعاطف معها ويرفضها، لكن حكومته ستلتزم بها «لحماية شعبنا»، إذ «لا نستطيع أن نتعامل بالدولار إلا من خلال الفيدرالي الأمريكي، كبقية دول العالم». وأضاف العبادي: «وفي النهاية، إذا لم نلتزم، أنت تخسر، وأنا لست راضياً عن العقوبات، لكن هذا لا يعني أن أقدم لك خدمة وأؤذي نفسي، وهذا غير مقبول»، مؤكداً أنه «لا يجوز لي كرئيس وزراء العراق أن أتخذ موقفا يضر بمصالح المواطنين».
ومن حيث المبدأ يبدو هذا الموقف وطنياً يضع مصلحة الشعب العراقي فوق كل اعتبار، كما يسلّم من جهة ثانية بالأمر الواقع الذي استسلمت له اقتصادات كونية عملاقة ليست راضية عن العقوبات الأمريكية ولكنها مكرهة على تطبيقها بسبب ارتباط تعاملاتها بالدولار الأمريكي. بيد أن رئيس الحكومة العراقية لا يتخذ هذا الموقف دون توظيفه سياسياً في المشهد الداخلي العراقي الذي يزداد تأزماً بعد نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة وعسر التكليف بتشكيل الحكومة الجديدة.
فالعبادي يدرك أن حظوته لدى واشنطن ورقة هامة لا يستطيع التفريط بها في ضبط التأثير الطاغي الذي تمارسه إيران عبر سلسلة من الأحزاب والتشكيلات والميليشيات المرتبطة بطهران والمنافسة للعبادي، وعلى رأسها «تحالف الفتح» بزعامة هادي العامري و»ائتلاف دولة القانون» بزعامة نوري المالكي. كما أن العبادي أصغى جيداً إلى الهتافات المعادية للتدخل الإيراني في الشؤون العراقية، والتي صدحت بها حناجر الآلاف خلال الاعتصامات والتظاهرات الأخيرة في جنوب العراق.
كذلك يدرك خصومه في الداخل أنّ الأمر يتجاوز مسألة العقوبات، ولهذا فقد سارعوا إلى وضع موقف العبادي ضمن سياق نكران الخدمات التي قدمتها طهران للعراق في الحرب ضد تنظيم «الدولة الإسلامية»، فأعلن مجتبي الحسيني ممثل آية الله علي خامنئي في العراق أن تصريحات العبادي «لا تنسجم مع الوفاء للمواقف المشرفة للجمهورية الإسلامية ودماء الشهداء التي قدمت للدفاع عن العراق وتطهير أرضه من لوثة داعش»، بل ذهب أبعد حين أبدى الأسف على موقف «انهزامي تجاه أمريكا».
من جانبها لم تتردد طهران، على أصعدة رسمية وبرلمانية وإعلامية، في شن هجمات عنيفة على العبادي، فنفت أن تكون زيارته على جدول الأعمال أصلاً، واتهمته بتخريب العلاقات الاستراتيجية بين البلدين، ولم يتردد موقع «الدبلوماسية الإيرانية» التابع لوزارة الخارجية في نشر مقال يُشبِّهه بـ«أصحاب الحسين الذين تركوه يواجه مصيره وحيدا في صحراء كربلاء». وأما النائب في البرلمان الإيراني محمود صادقي فقد غرد مطالباً العراق بسداد 1.1 مليار دولار كغرامة مقطوعة، لقاء الأضرار التي لحقت بإيران في دفاعها عن العراق، وهو ما كررته نائبة الرئيس الإيراني معصومة ابتكار، حين طالبت الحكومة العراقية بدفع تعويضات عن الأضرار التي لحقت بالبيئة نتيجة الحرب التي اندلعت بين البلدين إبان ثمانينيات القرن الماضي.
وفي هذا كله تأكيد إضافي على أن للتأزم أبعاده الأخرى التي تتجاوز مسألة العقوبات.

شاهد أيضاً

بوتين إذ يشارك بشار الأسد مأزقه

الحياة المؤلف: عمر قدور بالتأكيد كان خبر تسبب إسرائيل بإسقاط طائرة استطلاع روسي، الأسبوع الماضي …