هل تستطيع امريكا إرضاء الأتراك والأكراد معاً في سوريا

eae0f17e17863460b5e60df3e8046885_muhammedzahidpng_210x240

محمد زاهد جول

 

لا تخفي الحكومة التركية مواقفها الرافضة من دعم أمريكا لقوات حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي في سوريا، وإعلانها أن هذا الرفض غير قابل للتنازل عنه، مهما كانت الضغوط الامريكية، ومهما كانت ضماناتها، ومهما كان حجم الدعم العسكري، سواء كان بالمعدات العسكرية الكثيرة، أو بالأسلحة الثقيلة ومئات الشاحنات من المعدات والذخائر العسكرية، لأن الحجة الأمريكية واهية وغير صادقة في نظر السياسة التركية، فالحجة الأمريكية هي محاربة تنظيم الدولة “داعش”، بينما قدمت الحكومة التركية لأمريكا البدائل المحلية من قوات الجيش السوري الحر، بل ومشاركة القوات التركية أيضاً، لمواصلة عملية درع الفرات في منبج والرقة وغيرها، سواء كانت غرب الفرات او شرقه، ولكن الإدارة الأمريكية في البيت الأبيض تخضع في هذا الشأن لخطط وزارة الدفاع الأمريكية في سوريا والمنطقة، التي تفاهمت مع روسيا وإيران على تقاسم النفوذ في سوريا، بدليل أن أمريكا أقامت عشر قواعد عسكرية لها في سوريا، كما أقامت روسيا عددا منها أيضاً، وكلتا القواعد الأمريكية أو الروسية يتم التخطيط لها أن تكون طويلة الأمد، وهو ما يتم التشريع له في اجتماعات أستانا ومؤتمرات جنيف، ولذلك تم إبعاد تركيا وإيران عن اتفاق جنوب غرب سوريا بين روسيا وأمريكا، والمحاولات القادمة إبعادهما خارج اللعبة الدولية في شمالها أيضاً، لعدم قدرتهما منع الاتفاق الروسي الأمريكي على تقاسم النفوذ فيها أولاً، ولأن أهداف إيران وتركيا غير أهداف أمريكا وروسيا ثانياً، وإذا أمكن إيجاد تفاهم بين روسيا وإيران في سوريا، فإن أمريكا لم تستطع أن تتفاهم مع تركيا على اهداف مشتركة في سوريا، ولا زالت أمريكا تحاول دون نجاح إقناع تركيا بمشاريعها في سوريا، ولا يزال الرفض التركي قائما، فهل تستطيع أمريكا كسب صداقة تركيا واستمرار تحالفها معها وهي أي أمريكا تدعم أعداء تركيا؟

من أبرز مظاهر الخلاف التركي الأمريكي في سوريا أن أمريكا أوقفت دعمها العسكري واللوجستي عن فصائل المعارضة السورية المعتدلة المتعاونة مع تركيا، بما فيها الجيش الحر ، وحصرت معظم دعمها لقوات حماية الشعب الكردية التي اطلقت عليها أمريكا وصف قوات سوريا الديمقراطية، وثاني هذه المظاهر أن أمريكا أخذت توجه سهام الاتهام للحكومة التركية بدعم تنظيمات ارهابية في ادلب ، وبالأخص تنظيم النصرة، بالرغم من السماح الأمريكي السابق لهذا التنظيم أن ينقل مقاتليه من كل انحاء سوريا إلى أدلب في اتفاقيات أشرفت عليها أمريكا، وثالث هذه المظاهر أن التصريحات الأمريكي النظرية التي تحاول طمأنة تركيا من مخاطر الدعم العسكري الأمريكي لميليشيات وحدات حماية الشعب الكردية مجرد تطمينات كلامية، والواقع العملي يكذبها، وتعليق هذه الضمانات على نتائج المستقبل، بانه سوف يتم التخلي عن الدعم االعسكري الأمريكي لها في حال القضاء على تنظيم داعش في الرقة لا مصداقية له، وقد سبق لأمريكا ان نكثت بتعهداتها غرب الفرات وبالأخص بعدم سحب تلك القوات من منبج بعد تحريرها من داعش، بل وقفت أمريكا ضد استعادة الجيس السوري الحر لمنبج في عملية درع الفرات المدعومة من تركيا قبل بضعة أشهر.

إن ذهاب أمريكا وروسيا لإيجاد تفاهمات بينهما في سوريا دون الإكتراث لحقوق الشعب السوري، ودون الاكتراث لمصالح الدول الاقليمية في المنطقة، إن ذلك يعني أن المنطقة مقبلة على لهيب أكبر ، وليس إلى حلول سياسية عادلة، والقاسم المشترك بين روسيا وأمريكا هو تقاسم نفوذ عسكري وليس سياسي فقط، والخطورة فيه أن أمريكا راهنت عل تثبيت نفوذها العسكري في سوريا على المليشيات الكردية، وليس على فصائل عربية سورية، بينما روسيا راهنت على قسم من العرب السوريين من أتباع بشار الأسد العلويين، والقسم الآخر إيراني فارسي وإن استخدم أدوات عربية لبنانية أو عراقية مثل حزب الله اللبناني وغيره، وهذا يعني أن المراهنة الأمريكية على القومية الكردية لا بد أن تنتهي إلى إقامة دولة كردية مستقلة على الأراضي السورية أولاً، وإن تم تمرير ذلك لمرحلة زمنية عبر اتفاقيات الأقاليم السياسية الفيدرالية، فالتقسيمات السياسية الفيدرالية خديعة مرحلية لإقرار تقسيم سوريا إلى عدة دول مستقلة.

إن تصريحات الحكومة الأمريكية عن قرب توصلها إلى حل سياسي يشمل كل سوريا بعد اتفاقها مع روسيا على جنوب غرب سوريا لا يخرج عن اتفاق التقسيم الفيدرالي عبر مؤتمر جنيف الذي يشرف عليه ديمستورا، وأي اتفاق يتحدث عن مجلس حكم رئاسي ثلاثي يعني نوعا من التقسيم الفيدرالي، ولو تم ذلك فسيكون مرحلياً فقط، لأن الهدف النهائي الوصول إلى التقسيم النهائي، فلا يمكن تصور تواجد عسكري أمريكي وروسي طويل الأمد في دولة واحدة، ولا يمكن تصور وجود قواعد عسكرية أمريكية وروسية في دولة واحدة إلا في حالة قبول روسيا أن تصبح عضوا في حلف الناتو ، والخضوع للهيمنة الأمريكية على العالم، بينما روسيا اليوم تعمل بكل جهدها لانهاء هيمنة القطب الواحد على العالم، وهذه رؤية أصبحت السياسة التركية مقتنعة بها أكثر من ذي قبل، وبالتالي فإن الرؤية الروسية تجد تقاربا مع تركيا في إيجاد نظام دولي متعدد الأقطاب واكثر عدالة، وهذا يشجع روسيا على إيجاد تفاهمات بينهما في سوريا، ولا يجعل سوريا قاعدة عسكرية كبرى لأمريكا في الشرق الأوسط، فتصريح المبعوث الأمريكي إلى التحالف الدولي في الأسبوع الماضي حول مكافحة داعش بريت ماكغورك الذي يقول فيه:” إن هذه المنطقة الجديدة قد تكون في شمال سوريا”، وهو يقصد منطقة التفاهم الأمريكي الروسي الجديد، فيه دلالة على أن أمريكا تستعين بالموقف الروسي لإضعاف الدور التركي في شمال سوريا، فهل تعمل روسيا ضد مصالح تركيا في شمال سوريا أيضاً وتخسر صديقا كبيرا لها مثل تركيا؟

إن الخطط الأمريكية تتحدث الآن عن مناطق غرب الفرات وحول عفرين وادلب تحديدا، وإذا احتملت تركيا في الأشهر الماضية بعض المجازفات الأمريكية شرق الفرت، وتحملت رفض أمريكا للخطة التركية لتحرير الرقة، فالأرجح ان السياسة التركية لن تحتمل المجازفات الأمريكية غرب الفرات وحول عفرين وادلب تحديدا، فلن تسمح السياسة التركية لأمريكا أن تقوم بتسليم ادلب لقوات حماية الشعب مهما كانت الحجج الأمريكية، وإذا سمحت لها بذلك فإن عليها أن تتوقع أن تخسر انجازات عملية “درع الفرات” لاحقاً أيضاً، وهذا ما لا يتوقع من تركيا القبول به إطلاقاً، بل إن على أمريكا أن تتوقع هجوما من الجيش السوري الحر وقوات المعارضة السورية المعتدلة وعمليات عسكرية لتحرير عفرين من قوات حماية الشعب، وقد يكون ما يؤخر هذه المعركة هو إيجاد موافقة روسية عليها، ولذا فإن الحديث عن اتفاق أمريكي روسي حول شمال سوريا لا بد ان يشمل الحديث عن الدرو التركي، سواء في عفرين وادلب أو غيرها، فإذا كانت روسيا تعمل لاستقرار سوريا فإنها غير معنية بتنفيذ المشاريع الأمريكية شمال سوريا كما فعلت في جنوبها، فتركيا لن تمرر أي اتفاق في شمال سوريا لا يأخذ المصالح التركية بعين الاعتبار، لأن الأمن القومي التركي خطاً أحمراً للسياسة التركية، سواء وافقت أمريكا أم لم توافق، وسواء وافقت روسيا أو لم توافق، ولكن تركيا حريصة على التفاهم الدولي لموقفها ودورها على حدودها الجنوبية.

وأخيراً فإن هذا التقسيم العسكري للنفوذ بين أمريكا وروسيا في سوريا يجعل كلا من أمريكا وروسيا تحاولان الحفاظ على تفاهمات سياسية وعسكرية مع الأطراف الاقليمية، ولو كانت جزئية أو مؤقتة على الأراضي السورية، سواء مع إيران أو مع تركيا أو مع الأحزاب الكردية أو مع فصائل المعارضة والثورة السورية، فأمريكا تعمل لإرضاء تركيا وإيران والأحزاب الكردية والمعارضة السورية المعتدلة معاً، وكذلك روسيا، كما تعملان روسيا وأمريكا على التفاهم والتعاون مع إيران وميليشياتها في سوريا بما فيها قوات الأسد، وهذا الحال ينطبق على التعاون مع الأحزاب والمليشيات الكردية، التي يبدو أن أمريكا كانت أكثر نجاحا في جذبها لمشروعها في سوريا، لإدراك تلك الأحزاب الكردية أن أمريكا أكثر قدرة وحاجة إلى تأسيس كيان كردي انفصالي، سواء كان متحداً جغرافياً أم كان مترامي التوزيع الجغرافي، لأن الهدف منها أي المليشيات الكردية أن تكون قوات حماية وحراسة على القواعد الأمريكية التي أقامتها امريكا والتي سوف تقيمها في سوريا، بينما تعتمد روسيا على كتائب من الجيش الإيراني والمليشيات الطائفية الشيعية لحماية القواعد العسكرية الروسية.

شاهد أيضاً

efbcd09bd722c8b067b84f77

علبة مكياج”.. سر التغييرات القضائية الأخيرة في سوريا وسبب تصدير “أهل النزاهة”

وضع مصدر قضائي مطلع “زمان الوصل” في صورة التغييرات التي طالت مناصب حساسة في القضاء …