هند مرشد: الكتاب القاتل

لو صدقت الرواية التي تقول: “إن الجاحظ قتله كتاب” تُرى أي كتاب ذاك الذي قتله؟ من هو مؤلفه؟ وعن ماذا يتحدث؟ تُرى أي كتاب هذا استحق شرف التسمية بالكتاب قاتل الجاحظ”؟ هل الكتاب فعلاً من قتله؟ أم ما احتواه ذلك الكتاب؟ أم أن المكتبة كلها اشتركت في اغتيال صاحبها..؟ عن ماذا كان يبحث الجاحظ..؟

حين اختار ذلك الكتاب بالذات، وعندما سحبه من بين الكتب الأخرى اختل توازن المكتبة وسقطت عليه فمات تحت كنوزها؟

أرقد في سريري ممسكة بكتاب، أتأمل رف الكتب المعلق بأناقة على الحائط فوق رأسي، فينتابني هاجس الموت قراءة.

صحيح أنه ليس لدي مكتبة عظيمة كالتي للجاحظ، فمكتبتي المتواضعة لا يتجاوز عدد كتبها الستمائة كتاب بمواضيع ومقاسات مختلفة…

الجاحظ، انترنت

صحيح أنني لا أضع منها على الرف المعلق فوق سريري! إلا الأحب إلى قلبي أو أحدثها لأقرأه قبل النوم.. أغلقت الكتاب فجأة ونظرت إلى أعلى أتفحص الرف الذي يتسع كحد أقصى لخمسين كتاباً وبدأت أعد الكتب فوقه إنها اثنان وثلاثون كتاباً من القطع المتوسط، وزنها مع وزن الرف الخشبي وبعض الكريستالات التي تزينه كافية لقتلي..

اسلوبي في القراءة غريب نوعاً ما، فأنا أقرأ أكثر من كتاب في آن واحد معاً، لا لأنني أملّ القراءة في كتاب واحد، بل لأنني أقرأ حسب مزاجي وحالتي النفسية، أطارد أحلامي وأحّلق معها، وألاحق الفكرة، حتى أجدها في رواية، أو بحث، أو مرجع، أحضره من مكتبة الصالة، أقرأه وأضعه على الرف، وأعود للحلم.

ولكن هاجس الموت انتابني اليوم، وأنا أقرأ في كتاب “البيان والتبيين” واستوقفتني فكرة السؤال والبحث عن الكتاب الذي قتل الجاحظ، أو الذي كان سبباً في موته، وبدأت أتخيل نفسي في مكانه.. فلو وقع هذا الرف لأي سبب كان فوق رأسي ماذا يحصل؟

حتماً سيقتلني.. وهروباً من فكرة الموت كُتُباً، أقول لنفسي: لماذا لا أغير اتجاه رأسي..؟

فأنام في الجهة المقابلة وتصبح قدماي تحت الرف بدل رأسي ولكن.. إذا حدث وسقط الرفّ، ربما يكسر قدمي أو إحداها لا، لا أظن أن الموت أرحم من أن أعيش بقية عمري عاجزة، أو مقعدة.. وأيضاً، إذا غيرت مكاني فسيصبح من الصعب إشعال الضوء وإطفاؤه متى انتهيت من القراءة، فمنبع الضوء تحت الرف، ومفتاحه أيضاً الذي أتحكم بواستطه  بمقدار الضوء ومن ثم إطفائه حين أنتهي من القراءة وبما أنني كسولة، وأحب القراءة في الشتاء أكثر من الصيف، فنهوضي سيعرضني للبرد، وسيحرمني من متعة الحلم بما قرأت فلقد اعتدت أن أطوي الكتاب، وأنسل تحت الغطاء بعد أن أطفأ النور، إلى جانب ذلك فإن الكتب على الرف ستصبح بعيدة عن متناول يدي، ولن يتسنى لي أن أغير كتاباً بآخر متى  ِشئت، فكرة تغيير المكان بعيدة ولا تعجبني..

إذاً لمَ  لا أفكر بأن أخفف من وزن الرف بإنقاص عدد الكتب التي عليه واحتفظ بالكتاب الذي أقرأ فيه، تحت وسادتي ولا أعيده للرف كالعادة، وبإمكاني أن أختار من الكتب الأكبر حجماً والأثقل وزناً ليكون كتابي الذي أقراه قبل النوم…. هذه الفكرة معقولة…

والفكرة الثانية..  ماذا لو أستغني عن عدد من الكتب التي أبقيها عادة على الرف وأعيدها إلى مكتبة الصالة، ولا  أترك عليه إلا أحبها إليّ، وأقربها إلى نفسي وأحدثها إصداراً..؟ ولكن كتبي كلها غالية عليّ، ومهمة بالنسبة لي  وقريبة مني، كتب الرفّ هذه أحبها كلها، هي أصدقائي، الأكثر قرباً مني، هي سمّاري الذين أجدهم دائماً، في ليالي الشتاء الموحشة، الباردة، القاسية، كتابي أحياناً أوفى من صديقي، أفرض عليه اللحظة التي أريده بها، بينما لا يسعني فعل ذلك مع صديق، كتابي أفتحه متى أشاء وأغلقه حين أشاء، بينما كثير من الأصدقاء لا أجدهم متى أحتاجهم، ولا أقدر أن أتخلى عنهم متى أردت.

كتابي يحدثني بصمت ومتى أردت الحوار، بينما الصديق يحدثني متى أراد و الكثير منهم يثرثرون دون فائدة ولا أجرؤ على إسكاتهم… كتابي، يحبني، يحترمني، لا يستخف بمشاعري، ولا يعرضني للأذى بينما هناك كثير من أصدقائي من أوقعني  بمشاكل وخدعني، وجرحني.

كتابي لا يتركني، ولا يتخلى عني، إلا إذا أردت أنا ذلك، بينما الكثير من أصدقائي  تخلوا عني في أوقات كنت بأمس الحاجة لوجودهم.. كتابي صبور عليّ، يسامحني ويغفر لي إذا مرة تركته، أو و ضعته جانباً لأقرأ في غيره، بينما الصديق لا يقبل أن أتجاهله أو أتناساه، و ا يغفر لي إساءتي… كتبي أزورها متى أريد، وأدعوها متى أشاء، ولكني لا أستطيع، زيارة بعض أصدقائي إلا بموعد سابق، وحين أدعوهم قد لا يلبون دعوتي دائماً… رصيدي من الكتب يزداد، بينما رصيدي من الأصدقاء ينقص… أحب كتبي أعشقها، وكم هو رائع أن أموت معها وبسببها أو تحت أنقاضها، يا له من شعور جميل ومريح أُحسّه الآن..

لم يعد هاجس الموت كتباً وقراءة يؤرقني، سأكون سعيدة، لو طلع نهار، ووجدوني جثة هامدة، تحت أكوام كتبي الحبيبة، ولا يهمني أي كتاب ومن هو مؤلفه ذاك الذي سيقتلني لأنني سأموت بفرح..

أحسدك أيها الجاحظ على ميتتك الرائعة.. وأغار من الكتاب الذي قتلك. 

شاهد أيضاً

سوريون يدعمون اقتصاد مصر بمئات ملايين الدولارات.. القاهرة تدرس إقامة منطقة صناعية لهم

يوسع سوريون لجأوا إلى مصر من نشاطهم الاقتصادي، حتى بلغت قيمة استثمارات رجال أعمال سوريين …