تصريحات الأسد تنفيها الوقائع على الأرض ومصادرة موسكو وطهران لقراره داخلياً وخارجياً

هبة محمد

«القدس العربي» : نظرة فاحصة للسياسة الداخلية أو الخارجية السورية توضح بشكل لا لبس فيه أن كلاً من إيران وروسيا قد تقاسمتا مفاصل الدولة ومراكز صناعة القرار، فضلاً عن مصادرة موسكو للسياسة الخارجية، وهو ما يتعارض بشكل واضح مع تصريحات رأس النظام السوري بشار الأسد أمس التي نفى خلالها ان تكون روسيا حليفته العسكرية هي من تملي عليه القرارات، متداركاً السؤال بالحديث عن فطرية الخلافات بين الحلفاء الثلاثة «روسـيا – إيـران – سـوريا».
إذ قال بشار الأسد في لقاء صحافي مع الصحيفة البريطانية «ميل أون صنداي» امس إنه من الطبيعي أن توجد اختلافات في وجهات النظر بين الحلفاء، «سواء داخل حكومتنا أو بين الحكومات الأخرى، بين روسيا وسوريا، أو سوريا وإيران، أو إيران وروسيا، وداخل هذه الحكومات، هذا طبيعي جداً، لكن في المحصلة، فإن القرار الوحيد حول ما يحدث في سوريا وما سيحدث هو قرار سوري» لافتاً إلى ان سياسة الروس وسلوكهم لا يقضيان بالتدخل أو الإملاء، وإنهم لا يفعلون ذلك، مضيفاً «لدينا علاقات جيدة مع روسيا منذ نحو سبعة عقود، وعلى مدى هذه الفترة، وفي كل علاقاتنا لم يحدث أن تدخلوا أو حاولوا أن يملوا علينا شيئاً، حتى لو كانت هناك اختلافات».

مصادرة القرار

معارضون سوريون تحدثوا عن جوهر هذه الخلافات بين النظام السوري وحلفائه، وتباين المصالح بين موسكو وطهران حسب ما أفصح عنه بشار الأسد، واضطره إلى الظهور بمظهر الراضي، كون الأسد لا بد ان يكون راضياً عن هذه السياسة، لأن رضاه هو الشيء الوحيد الذي يكفل بقاءه في السلطة.
ورأوا أن هذه الخلافات ظهرت على الواجهة نتيجة تباعد أولويات كل طرف عن الآخر، وسط تحالف عززته المصالح وتقاسم الأدوار، فيما رد البعض على مزاعم الأسد حول «سيادة الدولة والقرار السوري» بأنها بروباغندا إعلامية.
الخبير في العلاقات الدولية محمد العطار أوضح لـ «القدس العربي» أن «مزاعم بشار الأسد حول حفاظه على سيادة الدولة بعيداً عن الإملاءات الخارجية تنفيها الحقائق على الأرض» عازياً السبب إلى سيطرة الايرانيين على مفاضل الدولة وتواجدهم على الارض من خلال الميليشيات والمستشارين الموجودين في مؤسسات الدولة والمراكز الصحية والاجتماعية والدينية التي أنشأتها طهران تحت مسميات عدة لتكون مراكز مخابراتية لصالحها.
ومنذ التدخل الروسي تمت مصادرة القرار الخارجي، والسياسة الخارجية السورية، واصبح بوتين برأي المتحدث يدير الدفة السورية من مكتبه في الكرملين، إضافة إلى ابرام روسيا الكثير من القرارات والتفاهمات كونها تتصدر وتتزعم السياسة الخارجية لسوريا.
وقال العطار بشأن الخلافات الناتجة عن الشراكة الروسية – الإيرانية، انه «لا يملك الا ان يقول ان هذه الخلافات طبيعية تنشأ بين الحلفاء، ولكننا نتساءل هل تعتبر روسيا وسوريا بالمقاربات العسكرية، حليفين ام أن روسيا دولة محتلة تفرض قراراتها مصادرة لكل ما هو سوري سياسياً داخلياً وخارجياً وحتى اقتصادياً، بعد تقاسم كل مقدرات الدولة بين الروس والامريكان والإيرانيين».

العامل الإسرائيلي

فيما قال البعض إن ما اربك الحلف المشكل في سوريا من قبل النظام السوري وايران وروسيا هو ظهور اللاعب الجديد ونشاطه في الملف السوري، اسرائيل صاحبة الموقف الواضح تجاه إيران وميليشياتها والنفوذ الايراني بشكل عام، فهو السبب وراء الاختلافات الجوهرية.
الباحث السياسي سعد الشارع رأى ان الوجود الايراني في المنطقة بحلف ظاهري وعلني مع الروس، الذين يعلبون دور الضامن لميليشيات إيران في بعض الملفات الداخلية، وضع موسكو في موقف صعب، إذ تواجه روسيا ضغوطات دولية من الولايات المتحدة الأمريكية وبعض دول الاتحاد الاوروبي بهدف تحجيم النفوذ الايراني في سوريا على اقل تقدير، بينما هي على شراكة مفتوحة مع ميليشيات إيران في الميادين العسكرية.
هذا الاقتران الروسي – الإيراني الذي تشكل خلال الفترة الماضية بين ميليشيات إيران على الأرض وسلاح الجو الروسي هو من حقق المكتسبات الأخيرة على الأرض وليس لنظام الأسد، حيث تصب هذه المكتسبات في صالح كل من إيران وروسيا معاً. فمن جهة النظام السوري لا يستطيع القيام بأي تحرك يضغط على إيران للخروج من سوريا، ومن جهة أخرى لا يمتلك الأسد القوة لاخراج ميليشياتها واذرعها من سوريا، فضلاً عن انه لازال بحاجتهم.

خريف الميليشيات

وقال المتحدث أن الخلافات الدائرة بين النظام السوري والروس هي حول آلية تعاطي النظام مع ما يسمى الميليشيات المحلية، أهمها ميليشيا الدفاع الوطني التي تنتشر على الخارطة السورية، إذ يقوم العشرات منها بأعمال سلب ونهب، فيما تغلغل بعضها في مؤسسات ودوائر الدولة، مما دعا الروس ومنذ فترة ليست قصيرة لان يطمحوا إلى انهاء الحالة الميليشياوية داخل النظام، والتي تولد بدورها حالة من الفوضى العارمة، لافتاً إلى عجز النظام السوري عن التخلص منها.
الحديث عن هذه الميليشيات يعود كملفات مؤجلة تطفو فجاة كلما عاد الحديث عن درعا، وذلك يعود حسب مطلعين إلى وجود عدد كبير من الميليشيات في المحافظة الجنوبية، مؤكدين ان «بعض هذه الميليشيات اصبح ممزوجا بين شخصيات محلية وشخصيات قادمة من لبنان والعراق وايران وباكستان وغيرها، مما يشكل فوضى قد تعرقل تحكم الروس في المنطقة التي تشهد الان تفاهمات دولية بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة وروسيا من جهة أخرى.
وقال المصدر، إنه لا يمكن لروسيا أن تبقى في حالة دفاع عن الوجود الإيراني في المنطقة وخاصة في ظل الهجمة الأخيرة عليه، إذ لا بد لروسيا في الفترة المقبلة ان تتخذ موقفاً تجاه ميليشيات ايران، مستبعداً انحلال التحالف القائم بين روسيا وايران لحاجة كل طرف للآخر الآن، ولأن الافتراق بينهم يضعف الجميع، والتحالف هو أقرب لان يكون لعبة مناورة وأحياناً تقسيم أدوار، فيما يرجح ان تناور إيران إزاء هذه الهجمة بتقليل نوعي من الوجود او اعادة انتشار وتغير تموضع ميليشياتها.

 

شاهد أيضاً

حصاد ستيفان دي ميستورا: الفشل الأممي في الملف السوري

العرب – خطار أبودياب لم يُصلح موفد منظمة الأمم المتحدة إلى سوريا ستيفان دي ميستورا …