الخطوط البيانية للمسرح السوري ظواهر وانعطافات 1960 – 2010 – نجم الدين سمّان ..

ملف المسرح

تواصل العدد 4 – ملف المسرح

انتقل المسرحيون السوريون من خيار مسرحي إلى آخر، بدءاً
بالنوسان بين تجربتي: مارون النقاش وأبي خليل القباني.
وسنجد التأشيرات المسرحية العالمية تتوالى، لتستقر عقوداً عند التجارب
التي جلبهاا لمخرجونا لمسرحيونا لسوريون، وقد درسأ غلبهم فيا لدولا لاشتراكية
السابقة، فتمَّ تداولأ سماء وطرائق: ستانسلافسكي مايرخولد بريخت، خصوصاً

وبرغم انغلاق المناخ المسرحي السوري.. على ذاته لارتباطه
بآليات النظام الشموليّ البعثيّ، بعكس المناخات اللبنانية
والتونسية والمغربية المفتوحة مسرحياً على التجارب
الأوروبية، خصوصاً الفرانكفونية منها؛ على الضفة الأخرى
للمتوسط.. فإن مسرحنا السوري استطاع الاستمرار
بجهود ذاتية ومبادرات فردية غالباً.. لذلك يمكن القول بأن
مسرحنا سيظلُّ تحت التأسيس: تأليفاً تمثيلاً إخراجاً،
ومرتبطاً بظواهر فردية، ما أن تغيب عن الساحة بالصمت
أو الموت المبكر غالباً، حتى نشعر بثقل الفراغ الذي تركته.
فمن الخيارات الإخراجية التقليدية التي عاد بها أوائل المخرجين
السوريين العائدين من مصر: رفيق الصبان أسعد فضة-
خضر الشعار- حسين إدلبي علي عقلة عرسان في حقبة
الستينيات، إلى الخيارات الإخراجية التي عاد بها الدارسون
في البلدان الاشتراكية: محمود خضور شريف شاكر وليد
قوتلي مانويل جيجي فواز الساجر وآخرون.. جرى اختبارها
جميعاً، وصولاً إلى مسرح الفرجة القائم على أجواء شعبية
احتفالية، لم ينقطع القول بالتجريب.. المسرح الطليعي
المسرح الاحتفالي المسرح التجريبي… الخ، وانعكس
ذلك على النصوص المسرحية المحلية، فكان أن استلهم
فرحان بلبل، لعبة بيرانديللو الشهيرة: المسرح داخل
المسرح، مدماكاً لبنية نصِّه «الممثلون يتراشقون الحجارة »
1975 ، قبل أن يتحوَّل إلى داعيةٍ ومُبشرٍ بالمسرح العمالي!.
وفعل رياض عصمت العكس.. حين ابتدأ بنص تجريبي
عبثي «هل حان وقت العشاء أيتها الأخت الدسمة »
إلى نصوص رمزية تعبيرية «لعبة الحب والثورة »
وصولاً إلى استلهام مفردات تراثية في ذات النسيج:
السندباد البحري 1988 ليالي شهريار 1995 . بينما اختار
المسرح القومي بدمشق: مقام إبراهيم وصفية لوليد
إخلاصي 1980 ، نصاً لا يُشبه نصوصه التجريبية في شيء،
ويُشير إلى انعطاف آخر نحو الرحم الشعبي المحليِّ، وعلى
هذا المنوال جرى انعطاف عبد الفتاح قلعجي من نصوصه
التي سمَّاها بالطليعية، مع كونها إعادة إنتاج للعبث
الغربي في مناخ شرقي!، حيث قدم له المسرح القومي
مسرحيته «العرس الحلبي طبعاً! » عام 1987 وهي احتفالية
شعبية غنائية سُممرّحة، ليعود كراكوزوعيواظ على يد
عبد الرحمن حمادي عام 1994 ، ويتوِّج كل ذاك تامر العربيد
مع نصّ «السمرمر » عام 1996 لناصر الشبلي، وفي بياع
الفرجة من تأليفه وإخراجه عام 1999 ، رافعاً يافطة مسرح
الفُرْجة الشعبي الاحتفالي بكل مكوناته: حكاية وأحداثا
ومنطوق شخصيات ونمذجة لها وغناء وأجواء احتفالية..
كان زيناتي قدسية الممثل الذي صار مخرجاً قد خاض مثلها
مع نصوص محمود دياب، قبل أن يتخذالمونودراما ملاذاً له
لسنوات عديدة!. فيما قدَّم جواد الأسدي رؤية جديدة لملحمة
جلجامش عام 1986 ، بعد أن كان إيليا قجميني قد استقاها
في عملٍ لفرقة المسرح الجامعي بحلب 1982 ، تأسيساً على
خيارات «أوجينوباربا » الإيطالية واستنساخاً لها.. حيث بدأت
مع عقد الثمانينيات تصل تأثيرات
مسرح ما بعد الحداثة الغربي:
غروتوفسكي أوجينوباربا..
قجميني المذكور أعلاه، وغيرهما.
وسنجد الممثل المخرج جهاد
سعد في «كاليغولا » عام 1986
يبحث عن ذائقته الإخراجية،
التي وجدنا تجريبيتها تتكرَّس في
«أواكس » عام 1993 ، لينعطف
بعدها إلى تجريب أكثر التصاقاً
بالهموم اليومية للعرب داخل
أسرابهم، باستحضاره لنص
محمد الماغوط: خارج السرب.. ثم
لايلبث حتى يعود الى مأثوراته الاغريقية: أنتيغون.. وسواها.
وأمسك الممثل المخرج غسان مسعود بآخر الخيط الذي
قد أمسك به المخرج السوري الكبير فواز الساجر في
«سكان الكهف » من حيث عمل غسان مه استاذه
في هذا العرض؛ ليدخل في تجربة «كسور » عن أنطون
تشيخوف وكأنه يحاول اعادة ما أثر فيه أستاذه.
حيث كانت «سكان الكهف » عام 1988 ، تبدو وكأنها لحظة
انعطاف في مسيرة المسرح السوري، من موضوعاته الكبرى
إلى الاهتمام بالتفاصيل الإنسانيةعلى الخشبة، وهي كذلك
لحظة انعطاف في مسيرة فواز الساجر، لا ندري ماذا كان

سيليها وقد خطفه الموت مبكراً وبشكل مفاجئ، فهل كان
فواز الساجر يبث رسالته الأخيرة عبر عرضه المسرحي الأخير،
وتحديداً في آخر ثلاثين ثانية لنشعر نحن: سكان الكهف..
ممثلين ومتفرجين، أن المسرح سينفجر بنا من أساساته ومن
تحت مقاعدنا ومن وراء الكواليس، وأن سكانه سيخرجون
من أحلامهم المسرحية إلى التشرُّد والصمت والهامشية!.
وكان الممثل المخرج غسان مسعود قدعاد الى تشيخوف دون ان
يذكر اسمه أيضا في بروشور عمله: الديبلوماسيون.. تاركا حبل
الارتجال لممثليه حتى وقعوا في فخّ التهريج اللفظيّ والحركيّ.
ثمة ظواهر.. بدأت في المسرح القومي بدمشق دون سواه، ومن
ذلك.. ظاهرة المؤلف/ المخرج مع علي عقلة عرسان في «الشيخ
والطريق » عام 1968 ، ليجعلها ثلاثاً بائنة مع نَصَّية: الغرباء
1973 ، الأقنعة 1978 ، على الرغم من كثافة وجود المخرجين آنذاك!.
ومثلهُ.. فعل رياض عصمت مع نصه «ليالي شهرزاد » عام 1995 .
ليفتح أسعد فضة ظاهرة المخرج/ المؤلف في: حكاية بلا بدايه
1985 ، تلاه فيصل الراشد في: التوقيع: أخوكم في الانسانية
1988 ، وعماد عطواني في: أبيض وأسود من العام ذاته، ثم وليد
قوتلي في: بدون تعليق 1996 ، وآخر.. اسمه: هادي المهدي في:
دائماً وأبداً من العام ذاته، وتامر العربيد في: بياع الفرجة 1999 .
وكان جهاد سعد قد افتتح ظاهرة الممثل/ المؤلف/ المخرج.. معاً،
في: «حكاية جيسون وميديا 1989 ، وثانية في: أواكس 1993 ،
تلاه هشام كفارنة في: بيت الدمى 1999 ، وغسان مسعود
في: كسور عام 2000 ، من غير إشارةٍ أن النصّ مستوحى من
تشيخوف و.. عنه، كما قد فعل فايز قزق في: النوّ 1993 ، عن
موليير، وماهر صليبي في: صمت الكلام 1997 ، عن تشيخوف.
وظاهرة «عن… » هذه، كانت قد بدأت بيافطة «إعداد.. » ثم «إعداد
وإخراج » يقوم بها المخرجون عادة.. لأسباب مالية أولاثم.. فنية!.
وقد بلغ ازدراء الممثلين/ المخرجين بالنصّ المسرحي إلى درجة
خُلُوِّ عروض المسرح القومي بدمشق ونادي المسرح فيه من أي
نصٍ أدبي مسرحي محلي، بين ثلاثين عرضاً خلال 1997 2000 !.
تكاد الثلاثين عرضاً الأخيرة، تشبه أول ثلاثين من عروض
المسرح القومي بدمشق في سنوات تاسيسه الاولى في
ستينيات القرن الماضي، من حيث أن الأولى احتوت عرضين
عن نصين محليين كتبهما ممثلان سوريان : أحمد قنوع
عبد اللطيف فتحي، وكأن الدائرة تعود إلىمُبتداها!.
وقد توالى الممثلون/ المخرجون بكثافة في عروض قومي
دمشق وناديه المسرحي، وكان زيناتي قدسية قد سبقهم
آتياً من فرق الهواة المسرحية بعد خبرة طويلة، ثم توالى
خريجو المعهد المسرحي..من قسم التمثيل: كهشام
كفارنة أيمن زيدان فايز قزق بسام كوسا – محمد
آل رشي كمال البني عبد المنعم عمايري وآخرين.
وفي ظاهرة طريفة أخرى.. تمَّ استدعاء شخصيات مسرحية
تراجيدية كلاسيكية من مضاجعها في نصوص لمؤلف
واحد، ومن تأليف جماعي ارتجالي، كما في: هاملت يستيقظ
متأخراً لممدوح عدوان، ليتكرَّر هذا كموضة رائجة: كما في:
سرير ديزمونة ليوسف الصائغ، وفي: هاملت بلا هاملت
لخزعل الماجدي، ثم في: إسماعيل هاملت لفرقة الرصيف،
وفي: هاملت والزير سالم لرمزي شقير، وليس أخيرا في:
تيامو لرغدا شعراني مع سميّه الشكسبيري روميو،
حتى غدا هاملت الاسكندنافي مواطناً سورياً.. مثلنا!.
وتمّ تحويل قصص إلى نصوص مسرحية، وكانت بداية ذاك
في عرض اسمه: من الأدب العربي عام 1972 ، وفي حقل
الإخراج: أتاسي عويتي, حتى يحوّل سعيد حورانية «قصة
موت معلن » لماركيز إلى عمل مسرحي عام 1985 ، ثم عن
قصص لكوليت بهنا في «شوية وقت »، ثم لها ولحيدر
ولصليبي في: تخاريف 1999 ، من إخراج ماهر صليبي، ولم
يختتمها جوان جان عن قصة المعطف لغوغول عام 2000 !.
وكان أن استفحلت المونودراما على مسارحنا، وهي في
بنيتها ومعمارها قصص بلغة المتكلم في لبوس مسرحي،
وكان ممدوح عدوان بالتعاون مع زيناتي قدسية قد بدأها..
حتى ذهبت مثلاً يُحتذى، خصوصاً أنها تستدعي كلفة
إنتاجية أقل، ويسهل انتقالها بممثل واحد «« أو… ممثلة .»
بينما كان خيار فواز الساجر في «يوميات مجنون » مع
أسعد فضة ممثلاً وحيداً على الخشبة، خيار مخرجٍكبير
مع ممثلٍ كبير راكم تجارب كثيرة، وكانت تجربة وحيدة، وربما
كان سيقع في النمطية لو.. أنه كرَّرها؛ لكن المخرج البارع لا
يقع في تكرار نفسه مرتين؛ وما أقلّ البارعين في مسارحنا.
ثلاثة نماذج في باب الشغف بالتفاصيل .
تبدو العودة إلى تشيخوف بالتحديد.. خياراً مسرحياً ناجزاً،
كلما كان الخلاص الجماعي أبعد منالاً وأكثر استحالة، بحيث
ينعكس ذاك على دواخل الأفراد، فينكفئون إلى دواخلهم
ليغتربوا في متاهاتها، مُنكسرين في صمت عزلتهم الطوعية!.
هكذا.. تأخر ظهور تشيخوف في عروض المسرح القومي
بدمشق حتى عام 1997 ، حين استلهمه ماهر صليبي لعرضه
«صمت الكلام » ثم غسان مسعود لعرضه «كسور » عام 2000 .
وما كنا بحاجة إلى تشيخوف قبل ذاك، فقد كُنَّا مُنشغلين
بموضوعاتنا الكبرى، وبعبء تواريخنا، وبهزائمنا، وبأسئلة
حائرة في راهننا.. عن مستقبلنا الجمعيّ، لم نَلْقَ لها جواباً،
منذ مطلع ما يُسمى مجازاً «نهضة العرب الحديثة .!»
ثمّ ان «الإنسان الصغير » الذي كرَّس له تشيخوف جلَّ
أعماله، كان مضمراً في إنكارنا لوجوده فينا، وقد تلاشى
في جموعنا قبل أن يكتشف أنها تلاشت وتركته وحيداً
في مواجهة «صمت الكلام » بعد سيل من بلاغات الخطابة،
وفي مواجهة «كسور » دواخله بعد انكسار الجماعة!.
وليس المسرحيون بمعزلٍ عن هذا، فهم.. أيضاً، كائنات
تشيخوفية بامتياز! لهذا.. أيضاً، استحضرت فرقة
عراقية مسرحية في المنفى نصّ تشيخوف «عنبر رقم »6
من اخراج جواد الاسدي، لتكتشف فيه عنابر منافيها.
وهكذا.. أيضاً، أعادت فرق مسرحية أوروبية عديدة، جُلُّها
من الهواة، اكتشاف تشيخوف كإلهٍ في انتظارها، بعد أن
مكثوا طويلاً في انتظار غودو، الذي يبدو أنه لن يجيء مُذْ
أعلن نيتشه: «موت الإله »، ثم أعلن مريدوه من النيتشويين
الجدد: «موت الإنسان »، ثم أعلن نقادهم «موت المؤلف »
وديمومة الكتابة في نصوص لاحقة عن نصوص سابقات.
من كل هذا، أو.. بعضه فحسب، قرَّر غسان مسعود أن
يُضمر نصَّ تشيخوف في عرضه «كسور » ليقول بنص
لاحق عن نص غائب، ينقل فيه ريف روسيا القيصرية
الشاسع على أجنحة المجاز، وبواسطة إزاحة الدلالة،
إلى ريف سوريا الضيق في هجرة مدنية مُعاكسة!.
هكذا.. وضع «الكائن الصغير » الذي في غسان مسعود
يده على كسوره، التي هي كسورنا وانكساراتنا،
فاستقطب عرضه بنجاحٍ.. شريحةً دخلت إلى الصالة
لتجد كينونتها مُشخَّصةً على الخشبة، وهي شريحة من
بقايا جمهور غائب/ حاضر، بل.. هي نخبة هذا الغياب!.

على هذا النحو.. يأتي عرض «صدى » من إخراج عبد المنعم
عمايري، عن نصٍ لعمايري ذاته، ليخوض في العلاقة الأزلية
إيَّاها بين المرأة والرجل، بين زوجين استنفذا الحبَّ داخل الزواج؛
أول مؤسسات التاريخ الاجتماعي، ليجسّدها في زمن مسرحي
مُستقطع من أزمانها، مُستنسِخاً شخصيتي عرضه من
الشريحة ذاتها، من باب التجريد، بينما حالة فقدان التواصل
هي التي تمَّت نمذجتها، ولهذا استقطبت «صدى » بنجاح أيضاً..
ذات الشريحة، من نخبة النخبة التي ما تزال ترتاد مسارحنا.
هكذا أيضاً… لم يكن لبسام كوسا أن يختار لعمله الإخراجي
المسرحي الأول «عشاء الوداع » سوى من تلك النصوص
الشغوفة بالتفاصيل، وأن يكون د. نبيل حفار مترجم هذا
النص الساخر الكوميدي إلى العامية، في رهان على وجود
عاميتين: تلك المبتذلة التي يتخذها المسرح التجاري لغةً
لعروضه، وهذه العامية السَلِسَة الراقية، والتي طَاوَعَتْ إلى
حدٍ بعيدٍ مَنْطوق شخصياتها، عِبْرَ انزياح العلاقة الأبدية
بين الرجل والمرأة عن دلالتها، والحب عن موضوعه ومعناه،
مقتنصاً المفارقة من انهماك شخصياته في علاقات
خاطفة ومزدوجة، بعد أن صار «الحب » مثل كل الأشياء على
طاولتي العشاء لمجرد استهلاكه، خصوصاً حين تتكشف
الشخصيات عن ذواتها وأهوائها، وتتقاطع وتتداخل
لنكتشف أن الطاولتين هما طاولة واحدة، وأن المدعوين إليها
وجوه مُجردة هي الأخرى، في حين يتولى المناخ الشَرْطيُّ لهذا
العشاء الأخير مهمة نمذجة الحالة، ويأخذ اسم العرض دلالته
خصوصاً حين تتكرَّر مفردة «الخيانة » في العرض وتتوالى.
بينما تلمَّسنا في عرض «كاريكاتير » لرافي وهبة، أطيافاً
من ظلال تجربة زياد الرحباني المسرحية ونصوصه
الارتجالية وأغانيه، تمّت إعادة إنتاجها بحساسية
جديدة، وبموهبة لافتة.. لم تُثنها الظروف عن المغامرة.
هذه العروض.. على تنوِّع أدواتها، تلتقي جميعها عند
مفترق مأزقنا المسرحي الراهن، بعد عناوينه العريضة،
وكليشيهاته، وخياراته المستعارة، وموضوعاته الكبرى،
لتبحث عن صيغ فنية جديدة، وعن جمهورها الغائب/
الحاضر.. لكنها تستوحي مناخاتها ومفرداتها من تفاصيل
شريحة في هذا الجمهور.. فحسب، تستدرجه بها ثانية
إلى المسرح، فإذا جمهورها هو النخبة ذاتها، التي رافقت
عروض المسرح القومي منذ تأسيسه، أو.. بقاياها، ولكن..
بعد أن تغيرَّت مصائرها وهواجسها وأحلامها.. بتغير أزمانها.
ثمة.. في وسطنا المسرحي اليوم، ما يُشبه التطيرَّ من مُقَاربة
ديكور سهرة مع ابي خليل القباني لسعد الله ونوس
أية موضوعة كبرى، بعد انتقالهم من قناعة أنه يمكن تغيير
العالم بمسرحية، أو.. البدء بتغييره، وفي أقلِّ ما يمكن: المساعدة
على تغييره، إلى قناعة أن المسرح مجرَّد عزاءٍ لانكسارات الفرد..
وليس غاية اجتماعية، ومتعة بصرية ولذة فنية خالصة.
ومثل هذا التطيرُّ رأيناه في عرض «ساعي بريد نيرودا »
الذي أعدَّه ممدوح عدوان عن رواية لأنطونيو سكارميتا،
حيث تمَّ اختزال كل ما يمسُّ العامّ والجماعي إلى مجرد
جملة عابرة، أو كادر حركي لا يتعدى انخطاف الفلاش في
الكاميرا: اعتراض شرطيين لخطوات ماريو ساعي البريد .»
ورغم إضافة اسم نيرودا إلى العنوان، إلا أنها كانت إضافة لفظية،
لأن نيرودا في هذا العرض تحوَّل بالتجريد، الذي أَضْفَاه غسان
مسعود أيضاً في تجسيده، إلى مجرد شاعر، بل.. إلى أيِّ شاعر!.
وقد فاجأني العرض حين قدّم لي إجابة عملية
على سؤال نظري كان قد صار ناجزاً قبله:
إلى أيّ حدٍ سيقتضي الشغف بالتفاصيل تكريس الذاتي
على الموضوعي، إزاحة المجتمع وتطويب الفرد، والإطاحة
بكلّ المهاد الاجتماعي السياسي للشخصيات؟!
حتى رأيت في جدلية تحوُّل ساعي البريد «ماريو »… جدلية
مقلوبة على قفاها، على الرغم من كون صُنَّاع العرض
جدليين بالفطرة والمشاكسة، وعشاق جدالٍ ومجادلةٍ!
وقد رأيت فيما يرى الحالم، أن عدوان وخضور ومسعود، قد
وجدوا أنفسهم في حلقة من طلاب المعهد المسرحي، وقد
أعاد الطلاب إنتاج ساعي البريد. مُستبدلين شاعراً مثل
نيرودا، بشاعر مثل اللورد بايرون، ذاهبين في ارتجالهم إلى
لحظة تحوُّل ماريو!، بعد دخوله تجربة الحب والشعر معاً.
فهل كان ماريو سيخرج كما في الرواية والفيلم
من خياراته المغلقة في قريته، إلى خيارات من
يُشبهونه على امتداد تشيلي كلّها، أم.. أن ماريو
اللورد بايرون، سيصير ساعي ملذاتٍ وربما.. قوَّاداً!.
هل الشعر والحب معزولان عن سياقهما، يستطيعان إنجاز هذا
التحوّل؟!. يُفيدنا التاريخ عن طُغاةٍ يعشقون الشعر وقد وقعوا
في الحب، لكنهم لم يكفُوا عن كونهم.. طغاةً!. ويشير بابلو
نيرودا في مذكراته إلى أن غالبية التشيليين الذين صوَّتوا له
في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية، لا يفهمون أشعاره،
لكنهم يحفظونها عن ظهر قلب، رغم كونهم أميين!.
فهل مَرَدُّ هذا إلى قوة قصائده الأسطورية، أم «إلى خيارات
صاحبها؟!. يخاطب عرض «ساعي بريد نيرودا » أيضاً نخبة
النخبة إياها، وسيقول لي كثيرون: ومن قال أن المسرح
لغير النخبة منذ سوفوكليس وحتى أيامنا، بينما كانت
الرعاع تحتشد لاحتفالات عشتار وباخوس الماجنة!.
على تأسيسهم ذاك.. فليذهب «رعاعنا » إلى عروض التهريج
وهزّ الأرداف بالتنانير القصيرة، وإلى نكات ما تحت الزنار،
وتفقيس الغلاظة والتفاهات.. رافعين شعار «طنِّشْ.. تعيشْ ،»
ليبدأوا: سيرة وانفتحت، هامسين في مقاعدهم: استروا
ما شفقوا منَّا، هازجين لمنتخبنا في أولمبياد كوريا واليابان:
بوسة للطابة.. بوسة للحبابة، هاتفين بكل حناجرهم: طاب
الموت.. يا عرب، ذاهبين إلى صناديق الاقتراع ليُصوِّتوا لصالح
الحكومة، بعد حضورهم التهريج المسمَّى: ضد الحكومة!.
تبقى معضلة الجمهور الغائب/ الحاضر.. قائمة، خصوصاً
في عصر العولمة، الذي بلغتنا بوادره مع عولمة الصورة المرئية
ووسائل الاتصال، وهو ما يُرتِّب علينا الدخول في عوربةمعولمة
هي ابنة لحظتها واستهلاكها وغرائزها، وهو ما نجح مسرحنا
التجاري السوري والعربيّ، في تشكيله قبل العولمة.. بكثير!.
من ناحية أخرى.. تتفاقم عُزْلة صَنُّاع الفن المسرحي عن
الناس، أو يتكرَّس عجزهم عن هذا التواصل.. معكوساً عن
حالة العجز البنيوية في مؤسساتنا ومجتمعاتنا، بينما
يتشدَّق دهاقنة المسرح التجاري بأرقامهم وباستمراريتهم..
وكأن أعداد جمهوره دليل على صحَّة خياراته وفنية
أساليبه وخبرته المتراكمة في تنفيس الدواليب!.
لا أذكر من الذي قال: أعطون ي طب ا لا و نسَْناَسا و راقصة ف ي ساحة
عامة، وسأجعل حركة السير تتعطَّل في أية عاصمة عربية!.
وقد راهن على هذا.. شرطة السير، أيضا !.