قمة هلسنكي.. إعادة إعمار إرهاب الأسد في سوريا

  • العرب – حامد الكيلاني

تترجم مشتركات السياسة الروسية والإيرانية طبيعة وضع المخططات المسبقة وتنفيذها للتفاوض عليها في وقت لاحق لفك الاشتباك مع السياسة الدولية بوضعها أمام الأمر الواقع حماية لأهدافهما الأساسية، رغم الخروقات الفادحة في الأمن العالمي بانتظار متغيرات الزمن وتلاشي أصداء الانفعالات.

أحيانا تبدو تلك الخروقات كمنفذ طوارئ أو إنقاذ لسياسة دول كبرى، رأت في احتلال روسيا لشبه جزيرة القرم سنة 2014 أمرا مزلزلا يزعزع الاستقرار ويفتح المجال لدول متعددة مماثلة في تطلعاتها ونزعاتها لإعادة قراءة خرائطها الجيوسياسية القديمة، ثم التجرؤ على محاولة تثبيت أسانيدها التاريخية بالقوة.

إيران تمددت إلى العراق بمساعدة الاحتلال الأميركي، وعمقت استراتيجيتها التوسعية في سوريا بالخضوع والإذعان للاحتلال الروسي واغتنام تراجع علاقاته مع الولايات المتحدة وأوروبا، في قراءة لرد الفعل الروسي تجاه العقوبات المفروضة عليه مع مزايا الاتفاق النووي الموقع معها.

نحن على بعد أيام من قمة مدينة “فانتا” إحدى ضواحي العاصمة الفنلندية هلسنكي بين الرئيسين الأميركي دونالد ترامب والروسي فلاديمير بوتين المقرر لها أن تعقد في 16 يوليو، رغم أن الرئيس ترامب كان يفضلها في 12 من ذات الشهر لأنه يتفاءل بهذا الرقم الذي يتناغم مع برجه الفلكي ورقم حظه في صالات برجه الشهير في نيويورك.

لكن الرئيس بوتين ولأسباب مبررة تتعلق بحضوره المباراة النهائية لمونديال كرة القدم في موسكو دفعت بتاريخ القمة إلى الموعد الجديد ودفعت بالأزمات وخاصة السورية إلى تفتيت الكتل القاسية والصلبة بما يتيح للمفاوضات تناول التصعيد في بحر البلطيق وضمّ روسيا لشبه جزيرة القرم.

سوريا اختزلت مهمة الثغرة أو موطئ القدم في أرض الخصم بالنسبة لروسيا بعد سنة واحدة من انفعالات ضمّ القرم على المستوى الدولي وفرض العقوبات، عندما بدأت طلائع سلاح “الفضاء” الروسي في دك المدن السورية معتمدة التفويض الرسمي الممنوح لها من النظام الحاكم تحت غطاء المساهمة في الحرب العالمية على الإرهاب، وصولا إلى مغزى الهجوم على مدينة درعا في هذا التوقيت الذي أُريدَ له أن يكون إعلانا لنهاية الثورة الشعبية السورية في معقلها.

الرهان الروسي بضمانته للنظام الحاكم في سوريا بعدم ترصده العائدين من النازحين إلى مدنهم وحتى اللاجئين من دول الجوار، تبدّده حماقة النظام وميليشياته التي أشعلت فتيل الكارثة السورية يوم لم تستوعب تصرفات طلبة بعمر الابتدائية، وأنزلت بهم أشد العقوبات من تعذيب جسدي ونفسي معلن ليكونوا عبرة لأهلهم وشعبهم.

مع مرور سنوات الحرب وتداعياتها وملابساتها مازال النظام يتمادى في الحط من كرامة الناس بتجويعهم والنيل منهم وفرض القصف العشوائي الذي يختصر تلك العلاقة المنهارة بين النظام والشعب، ويدلل على نوع ونمط الجيش النظامي وما لحق به من تغيير جذري في المهمات.

روسيا بصدد خوض مرحلة جديدة لإعادة تأهيل النظام الحاكم بأطروحات إعادة العلاقات الدبلوماسية مع نظام دمشق، والدعوة لفتح السفارات للدول الأوروبية الموقعة على الاتفاق النووي في ابتزاز واضح بالضد من آثار العقوبات الأميركية وتهديدها للنظام الإيراني في وجوده.

إيران من جانبها، وبأساليبها المتاحة من المناورة على الساحة السورية، تخلت عن راياتها الطائفية فوق الدبابات وناقلات الجنود وفصائل الميليشيات، ونزعت عنها الأزياء الخاصة واستبدلتها بمباركة النظام السوري بأزياء الجيش النظامي التي تحظى بالمقابل بمباركة إسرائيلية؛ لكن الألعاب المكشوفة تكلف القوات الإيرانية ومن يتجحفل معها المزيد من الضربات الصاروخية.

في العراق لا يحتاج النظام الإيراني وميليشياته إلى التخفي والتنكر، فالرايات الطائفية في كل مكان من المدارس والجامعات إلى الساحات والشوارع والوزارات، والميليشيات السياسية تعلن استعدادها للقتال إلى جانب الحوثيين من على منصات استقبال وخطابة تشيد بالدور الفاعل لأقرانهم في تقويض الأمن العربي.

أيام وتنطلق المزايدات الدبلوماسية من العراق ودول أخرى أعضاء في الجامعة العربية لإعادة مقعد سوريا الشاغر إلى نظام الأسد، مشفوعا بإشعارات روسية لتأهيل النظام على المستوى العربي؛ ومن غير المستبعد أن تلعب دول أوروبية هذا الدور بتفاعل روسي إسرائيلي أوروبي أميركي بعد لقاء ترامب – بوتين كمحصلة تفاهمات تخرج منها إيران ونظامها المتخلف ولو بمقايضة محدودة لخروجها الشكلي من سوريا، مع تخفيف عربدتها الميليشياوية مقابل إعادة لسيناريو مناوشات مهّدت لقمة سنغافورة، خطوة منتظرة من نظام براغماتي لبداية مرحلة حوار غير متوازن سيذعن إليه ملالي طهران عاجلا أم آجلا لمراجعة بنود اتفاقه النووي مع الجانب الأميركي.

روسيا تطالب أيضا بدعم عودة اللاجئين وتقديم المساعدات الدولية لهم دون شروط أو تأخير رغم أنها لم تستقبل لاجئا واحدا على أراضيها من الذين هجّرتهم بعد دك ملاذاتهم الإنسانية في مدن آبائهم وأجدادهم، وهي تسعى لاستغلال قضية اللاجئين في زعزعة العلاقات داخل دول الاتحاد الأوروبي وذلك بدعم التيار المتشدد لعدم استقبالهم.

المجتمع الدولي يجب ألا ينساق خلف أوهام مقايضة الحياة الإنسانية بتجاوز مطبات السياسة؛ فالنظام السوري يتعامل مع أهل المدن والقرى كمجرمين مطلوب منهم البراءة عن أفعالهم ليعيدهم كمواطنين تحت رحمة النظام، أما الشباب منهم فسيساقون إلى محارق موت في معارك قادمة.

إلى أين يعود السوريون الذين تهدّمت بيوتهم؟ وعدا ذلك فالآلاف منهم تمت تسوية سنداتهم القانونية مقابل مبالغ زهيدة من قبل تجار الحروب وهم غالبا من أتباع النظام الذين أقدموا على عمليات التعفيش الممنهجة والجماعية للمدن المنكوبة، والتي استغلها الروس لأغراض دعائية حين سمحوا بتصوير إلقاء الشرطة الروسية القبض على بعض جنود النظام أثناء سرقتهم لمواد منزلية من أنقاض مخيم اليرموك الفلسطيني في عرض يقصد منه إهانة النظام وإشارة إلى نهاية حقبة يتنصّل منها الروس لتحسين موقفهم الدولي في أي مفاوضات مقبلة.

بانتظار قمة هلسنكي نستعيد ما قاله نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف “التواجد الإيراني في سوريا يصب في مصلحة إسرائيل لأنها تحارب الإرهاب”. يأمل النظام الحاكم في سوريا في “أولى أولوياته” بإعادة إعمار سوريا وبدء انعقاد مزادات مؤتمرات المانحين على طريقة إعمار العراق وما انتهت إليه من إعمار للنظام السياسي الفاسد وميليشياته الإيرانية.

شاهد أيضاً

الممانعة شفافة وخصومها مرتبكون

الحرة حازم الأمين “صمت دهرا.. فنطق كفرا”! وأخيرا حصلنا على إجابة عن سر قبول جماعات …