مخيم اليرموك بين مفهوم خارطة الوطن الصغير وخارطة اللجوء الجديد – خزامى رشيد

Untitled-1

العدد 3 مجلة تواصل – من ملف التغريبة الفلسطينية

منذ الساعات الأولى لخروج أهالي مخيم اليرموك
من مخيمهم يوم 16 – 12 – 2012 , أحسوا أن نكبة
جديدة تضاف إلى نكباتهم المتكررة ، ابتداءا من
النكبة الأولى في 15 ايار 1948 والتي لم تمحُ السنين
آثارها السياسية والاجتماعية والأهم النفسية،
نكبات متكررة اختبر فيها الفلسطيني اللاجئ جرح
الاقتلاع والتشرد، منذ نكبته الأولى في عام 48 مرورا
بنكبة تل الزعتر 1976 ، ونهر البارد 2004 ، الى مخيم
اليرموك 2012 ، ناهيك عما عانته بقية المخيمات من
مجازر وحروب، إلا أن مخيمات اللجوء امتلكت ذات
الهوية الإنسانية، امتلكت الهم الانساني والحلم
الفلسطيني الواحد «العودة الى أرض الوطن »؛ الحلم
الذي عاشته جميع المخيمات وتطيبت بعطر شذاه
ليلطف مرارة وقسوة مفهوم الاقتلاع، إلا أن الحلم
لدى سكان مخيم اليرموك له طابعه الخاص،
لاعتبارات عدة أهمها أن مخيم اليرموك يعد أكبر
تجمع لفلسطيني الشتات، أكبر تجمع للمقتلعين من
القرى الفلسطينية الكبرى، لوبية، صفورية، الجاعونة،
والطيرة, إجزم، ترشيحا وغيرها من القرى، بالإضافة
الى المدن الفلسطينية التي سقطت بيد الصهاينة
في عام 1948 : حيفا, يافا، الناصرة، طبرية، عكا، صفد،
وقلة من سكان قرى ومدن عام 1967 .
في مخيم اليرموك يتبدى ويتجسد معنى الهوية المختلطة،
هوية التسمية والانتماء الفلسطيني وهوية الانتماء للوطن
السوري، فمخيم اليرموك يقطنه السوري والفلسطيني،
يعيشان معا يتقاسمان، الخبز والماء والهواء دون تفرقة أو تمييز،
ورغم الهوية المختلطة فمخيم اليرموك يمتلك مقومات الصفات
الاجتماعية والثقافية والنفسية لتعبير المخيم من حيث فكرة
التجمع الفلسطيني، والاختبار اليومي للانتماء عبر السلوك
الاجتماعي والثقافي والسياسي والنفسي لأبناءه الفلسطينين،
مخيم اليرموك بين مفهوم
خارطة الوطن الصغير وخارطة اللجوء الجديد
ورغم الحفاظ على مفهوم الانتماء المعنوي والاجتماعي أتيح
للمخيم تطوراً إيجابياً مكّنه من انتزاع صورة البؤس اللصيقة
بصفة اللجوء للمخيمات؛ منفتحاً الى آفاق التوسع والعمران
الحديث الذي يوحي بتوصيف المدينة.
شارعان أساسيان يشطران مخيم اليرموك, شارع اليرموك,
وشارع فلسطين، وما بينهما مساحة توسّعت وامتدّت أفقياً
وعاموديا، يضاف إليهما ما يسمى بأوتوستراد الثلاثين؛ شوارع
على أطرافها تمتد الكتل العمرانية الحديثة، يتخللها العديد
لاكتظاظه بسكانه المحليين والوافدين إليه من المناطق المجاورة، من
النشاط والفعالية بالمفهوم التجاري والعملي، فهو المخيم الذي لا
يعرف النوم، إلى الفعالية الحقيقية والتي تتجلى أبهى صورها
في تفاعل المخيم بالأحداث السياسية تفاعلاً حيوياً متصاعداً،
فأهل المخيم لا يكفون عن المشاركة والتعبير الصريح عن
ارتباطهم وتفاعلهم الدقيق والعميق بكل ما يخص قضيتهم
الفلسطينية وقضايا العرب أجمعين كالانتفاضة، حرب تموز،
حرب العراق، إضراب الأسرى عن الطعام، عملية تبادل الأسرى،
حرب غزة وأخيراً ثورات الربيع العربي.
يتمثل تفاعله بخروجه العفوي
بمسيرات ومظاهرات، يتفاعلون مع
جميع الأحداث صغيرها وكبيرها، هو
المخيم الفتي حيث تعد نسبة الشباب
فيه أكثر من خمسين بالمئة من
سكانه،أغلبهم متعلمين وجامعيين؛
فيه أكبر نسبة متعلمين لأكبر تجمع
فلسطيني؛ كل عشرة أمتار تصادفك
لوحة لطبيب أو مهندس أو مخبر أو
محامي؛ عشرات بل مئات المعاهد
التعليمية, كومبيوتر, لغات، وتطوير
مهني، عشرات المدارس الأونروا منها والعامة.
من الأسواق التجارية، يمتلأ المخيم بالمقاهي والمطاعم، ومقاهي
الانترنت، وفي السنوات الأخيرة شهد افتتاح العديد من
فروع أشهرالبنوك العربية والسورية, إضافة لما شهده مؤخراً
من افتتاح لبعض المولات, يتواجد فيه أكثر من حديقة عامة،
والعديد من رياض الأطفال المتميزة، إضافة لوجود المراكز
الثقافية، المكتبات, المسارح؛ ما إن تدخله تنسى أنك تدخل
مخيماً، ولكنه ورغم توسعه الجغرافي هناك ما يوحي بأنه
مخيم بدءا من العلم وشعارات القضية على مدخله إلى
الجدران المزدانة بصور الشهداء، وملصقات المنظمات، وشعارات
القضية الفلسطينية وحق العودة.
أسماء الحارات والشوارع العامة تسمى بأسماء المدن والقرى،
شارع صفد، شارع لوبية، شارع حيفا وغيرها؛هذه الهويه
المختلطة مزجت في بوتقتها الحالة المدنية بمعناها العمراني
والحالة الريفية بمعناها الانساني الأليف، حيث الترابط الاجتماعي
والتواصل بين أبناء المخيم شبيه بترابط أبناء القرية الواحدة، حيث
أن أغلب سكانه يعرفون بعضهم بعضاً، يعرفون انتماءت قراهم
ومدنهم وشعابهم في الأرض الفلسطينية، مما يمنح للمخيم
صفة تسميته بالوطن الصغير أو قطعة من أرض فلسطين،
ليس بالمعني الجغرافي بل بالمعنى الإنساني والاجتماعي؛ مع
كل هذه الصفات يتصف المخيم بأنه مخيماً نشطاً فعالاً، ففيه
أسواق تجارية تنافس كبرى الأسواق في العاصمة الدمشقية،
ففي أيام المناسبات والأعياد لا تستطيع أن تتحرك فيه بسهوله
التركيبة العامة لتشكيلته الاجتماعية معتدلة لا وجود لصفة
التعصب أوالتحرر، يمارس اليرموك الإعتدال في ممارسة طقوسه
اليومية ابتداءا باللباس وانتهاء بالفكر والإيديولوجية، وكما كل
المخيمات أو المجتمعات الفلسطينية، سكانه يختلفون ويتجادلون،
في الانتماء السياسي والديني، ورغم الاختلاف والتباين
الإيديولوجي، إلا أنهم جميعا يقطنون أو يقطن بداخلهم
وطن واحد، الوطن الفلسطيني المحتل الذي لم يغادرهم رغم
مرورالزمن، فرغم تعاقب الأجيال فيه مازالوا يحلمون بالعودة،
المفردة السر التي ما أن تمر في حارة أو شارع أو ناحية إلا وتلتقي
بكتابات جدارية تتقاسم بمجملها معنى مفردة العودة : عائدون/
لا بديل عن حق العودة / عائد إليك يا حيفا / راجعلك يالوبية /
وغيرها الكثير من تقاسيم مفردة العودة
الوطن والحلم الذي سكن الجميع أعواما، وجد نفسه يتيما بعد
نكبة المخيم وخروج سكانه في 16 – 12 – 2012
وجد نفسه معلقاً في الهواء بين خارطة اللجوء الجديد، بين
مخيمات لبنان التي لا تتسع اصلاً لأبنائها اللاجئين، معلقاً بين
حدود ترفض وتلفظ دخوله حتى لو كان هارباً من الموت، ورغم
إقرار دول الجوار بمعاهدة جنيف التي تنص على وجوب استقبال
الهاربين من الحرب دون شروط، إلا أن الفلسطيني ابن المخيم وجد
نفسه ملفوظا ممن يدعون التزامهم بالاتفاقية المزعومة فممنوع
دخوله نهائيا الى توأمة فلسطين وجاره العربي الأردن، سمح له
الدخول الى لبنان وتركيا إلى أن مساحة العبور مؤقتة فقد أغلقت
من جديد لبنان وأوصدت أبوابها بدعوى الاكتفاء بعدد اللاجئين
وخوفا من هاجس تضخم المخيمات لكونها وكما يردد الكثيرون
في لبنان ليست إلا بؤرا أمنية؛ تركيا أيضا الجارة الأجنبية لحدود
سوريا الشمالية، أغلقت مطاراتها أيضا بوجه الفلسطيني
الهارب إلى أوروبا بدعوى مبدأ رفض التعامل مع البلدان التي
تتعامل بما يسمى وثائق سفر ) أيوجد غير الفلسطيني يملك
وثيقة سفر( مع كل هذا المنع واللفظ من الجوار العربي والتركي،
وجد ابن المخيم نفسه مشرداً من جديد بين مدينة دمشق التي
سكنها متحملا أعباء شروط الحرب فيها فذوي الأوضاع المعتدلة
استأجروا بيوتا لا تشبه تاريخهم ورائحة لجوئهم، أما الفقراء
فقطنوا مدارس ومراكز ايواء يتحرك الفلسطيني ابن المخيم بين
الحواجز خائفاً مرتعداً؛ ففي أية لحظة هو صيد ثمين لتقرير ما،
أو لتهمة جديدة فلسطيني )خائن(؛ خائن لأن بعض تنظيماته
وقفت مع الثورة وأيدتها، وخائن من قبل المعارضة، لأن إحدى
تنظيماته وقفت مع النظام، وما بينهما يعيش الصامدين في
المخيم حياة تشبه الجحيم، بتهمة وجود الجيش الحر، يعاني
مخيم اليرموك وأبنائه حصاراً مطبقاً جائراً،حواجز عند مداخله
تمنع دخول الطعام والوقود والخدمات،في الأشهر الأخيرة عانى
حصاراً غريباً؛ منع دخول أوخروج سكانه نهائياً،ففرض عليهم
الموت البطيء؛أطفالا يموتون جوعاً؛ وشباباً ورجال ونساء عرضة
للموت بسبب القصف المتكرر لهاوون أو مدفعية أو صاروخ؛
يعيش ابن المخيم ظروفاً لا إنسانية قل نظيرها ولا من مؤيد أو
متفاعل،هو الذي لم يترك حدث أو حالة إلا وتفاعل معها، ابن
المخيم الذي تمرد على لجوئه ليصنع موطنه الصغير بطريقته
الخاصة، يجد نفسه وحيداً يتيماً بين حصار وعوز وحدود تلفظه،
يجد نفسه في عرض البحر بسفن وقوارب صيد يسافر فيها
سبعة أيام هارباً من ممر مصرالذي فتح له بعد الثورة؛هرباً من
الخناق المفروض عليه، معرضاً حياته وحياة ابنائه فريسة ربما
لأسماك القرش أو للغرق، ولربما الى بر النجاة في أوروبا الشمالية،
واهماً بحياة لجوء جديدة تضمن له العيش الكريم؛ لجوء جديد
يشكل آماناً مؤقتاً لجائحة الموت البطيء في مخيم اليرموك
المنتمي لسوريا الذبيحة،هرب ابن المخيم من قسوة الحرب في
سوريا وغادر منذ ذلك التاريخ مخيمه إلى دمشق وظلال الحرب
فيها الى المدن الأخرى: صيدا بيروت وصور بعلبك البقاع؛هرب ابن
المخيم وتشرد من جديد ليرسم خارطة تبعثره الجديد بعد سبعين
عاما كان يحلم أن يعيد رسم خارطة وجوده في وطنه فلسطين؛
بعد سبعين عاما انتقص الحلم فجأة وكبر الألم وكبر السؤال:
ألم تكفّوا على التآمر على وجودي وإنسانيتي؟ألم يكفيكم أني
عدت من حيث بدأت لاجئاً هنا وهناك، بعيداً عن مخيمي، مخيم
احتضن حلم لجوئي وعودتي أعواماً.
مخيماً مارس فيه طقوس حبه لفلسطين وللحياة، مخيماً
ضاقت الدروب بأبنائه فصاروا بعد سبعين عاما لاجئين مرتين
خزامى رشيد